Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf

من الجذور والطفولة والشباب المبكر

الى

الحياة العامة فالشيخوخة

سنوات مع عبد الناصر - سامي شرف

ـ 4 ـ

الجزء الأول - البداية الأولى

الحلقة الرابعة

* تشكيل “لجنة العمل اليومي” إثر إصابة عبدالناصر بأول أزمة قلبية يوم 13 سبتمبر 1969
* فوجئت في مطار نيويورك بموفد يبلغني بأنني ضيف على المخابرات الأمريكية فاعتذرت


كما انضم إلى العمل بسكرتارية الرئيس للمعلومات في عام 1963 الدكتور فؤاد كمال حسين (وزير الدولة للمالية فيما بعد سنة 1981)، للقيام بأعمال رصد ودراسة وتقويم المسائل الاقتصادية تمهيداً لعرضها على الرئيس، وكذلك متابعة تنفيذ تعليمات الرئيس في ما يتعلق بهذا الفرع من المعلومات.
وانضم إلى عضوية المكتب الفني في فترة لاحقة بعد ذلك خلال عامي 1968 و1969 كل من حاتم صادق منتدباً من المخابرات العامة وأشرف مروان منتدباً من الحرس الجمهوري سرية الكيمياء، باعتباره متخرجاً في كلية العلوم، وكان برتبة النقيب والأخت هدى جمال عبدالناصر منتدبة من المخابرات العامة وكانت أول عنصر نسائي تشاركنا العمل بصفة رسمية كعضو عامل في أسرة سكرتارية الرئيس للمعلومات، وفي سبتمبر/ أيلول 1969 وبعد أن أصيب الرئيس جمال عبدالناصر بالأزمة القلبية الأولى، تقرّر أن تقوم بمباشرة عملها من داخل منزل الرئيس. كما تقرّر حسبما أذكر سنة ،1968 أن يُنقل حاتم صادق بناء على طلبه للمساهمة في إنشاء مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مؤسسة “الأهرام” الذي كان الهدف من إنشائه هو التركيز على ما يتعلق بالشؤون “الإسرائيلية”. ويُلاحظ أنه لم يكن من بين جميع أعضاء سكرتارية الرئيس للمعلومات عسكري واحد سواي أنا والمقدم عادل إبراهيم السكرتير العسكري (الذي انضم إلينا بعد يونيو 1967)، ولقد كان هذا الفريق يتطوّر تدريجياً ضمن إطار مؤسسة الرئاسة التي بدأت في التبلور بوضوح في عام 1956 بعد صدور الدستور وانتخاب الرئيس جمال عبدالناصر رئيساً للجمهورية.

( 4 ) كانت مؤسسة الرئاسة بمثابة المطبخ السياسي الأول والأكبر في نظام عبدالناصر، فمنها تنطلق الأفكار والمقترحات وإليها تصدر التوجيهات بإعداد تقديرات الموقف، وبواسطتها تتم بلورة كل الرؤى الصادرة عن مختلف المؤسسات الدستورية في الدولة فضلاً عن اتجاهات الرأي العام والمساهمات الخاصة لبعض كبار المفكرين والاستراتيجيين.

كان يتبع سكرتير الرئيس للمعلومات مجموعة من الخبراء في الترجمة الفورية المكتوبة والشفوية في اللغتين الإنجليزية والفرنسية بالدرجة الأولى ثم انضم إليهم عناصر تجيد اللغة الروسية والاسبانية كلما احتاج الأمر، وكان يتولى ترجمة خطابات الرئيس لرؤساء الدول من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية سليم رزق الله كبير المذيعين باللغة الإنجليزية في الإذاعة، كما كان يشاركه في ترجمة خطب الرئيس المنطوقة دورا حليم، أما بالنسبة للغة الفرنسية، فقد كان يتولى ترجمة الخطب المنطوقة والخطابات المكتوبة لعبدالناصر الدكتور عادل عامر وكيل مصلحة الاستعلامات. وكان هؤلاء الثلاثة، كل في ما يخصه، يحضرون مقابلات الرئيس مع الرؤساء والمسؤولين والصحافيين الأجانب، علاوة على مصاحبة الرئيس في رحلاته وزياراته إلى الخارج. وكانت تقاريرهم ونتائج أعمالهم تُقدم لسكرتير الرئيس للمعلومات الذي كان يقوم في الوقت نفسه بتلقينهم بالمهام التي سيتولونها سواء في الداخل أو في خارج البلاد.

وكانت هذه المؤسسة تعمل وفقاً لروح الفريق، وأخذت تتطور وتنمو تدريجياً منذ عام 1955 وقبيل وخلال هذه الفترة كانت مؤسسة الرئاسة تضم المكاتب التالية:

مكتب الرئيس للشؤون السياسية

أنشئ هذا المكتب لأول مرة سنة ،1954 وكان علي صبري وقتها يعمل مديراً لمكتب القائد العام لشؤون الطيران ومديراً لمخابرات الطيران، وبهذه الصفة عمل مع الرئيس جمال عبدالناصر بغير قرار مكتوب إلى أن تولى الرئيس عبدالناصر رئاسة الجمهورية فتم معه وضع التقسيم الإداري للرئاسة بصورة رسمية.

وفي سنة 1956 تولى علي صبري رسمياً رئاسة مكتب الرئيس للشؤون السياسية واختص بكل المسائل السياسية الخارجية في الأساس، وتأتي بعدها المسائل الداخلية في المرتبة الثانية، ثم أضيفت إليه المسائل الاقتصادية التي كان يحيلها إلى الدكتور إبراهيم حلمي عبدالرحمن الذي كان يشغل في الوقت نفسه منصب سكرتير عام مجلس الوزراء وكان يقوم بالتنسيق بين الوزارات المعنية في هذا القطاع ورئاسة الجمهورية.

وكان مدير مكتب الرئيس للشؤون السياسية مشرفاً في الوقت نفسه على مكتب الشكاوى والأمناء والمراسم وكبير الياوران، إلى جانب الإشراف على أعمال سكرتير عام مجلس الوزراء والشؤون الإدارية والمالية برئاسة الجمهورية.

وقد كان الرئيس جمال عبدالناصر يتمتع بذاكرة قوية خصوصاً في مسائل المتابعة وما يُعرض عليه من موضوعات بصفة عامة وكثيراً ما كان يسأل عن تأشيرة له وضعها على موضوع مرّ على عرضه شهر مثلاً ويقول: “في صفحة كذا من مذكرة فلان بخصوص كذا إيه اللي تم بالنسبة للتأشيرة التي وضعتها، وهل فلان رد، وبماذا رد.. وهكذا”.

وفي مارس/ آذار 1964 تقرّر إلغاء المكاتب السياسية وعيّن محمود رياض وزيراً للخارجية وهو الذي اقترح نقل تبعية المكاتب القائمة في الرئاسة إلى وزارة الخارجية منعاً للازدواجية. وبالفعل تم تعيين مديري هذه المكاتب سفراء وهم: حمدي أبوزيد (وزير الطيران المدني فيما بعد) ومحمد شكري ومصطفى مختار، ولم يبق في الرئاسة إلا مكتب الشؤون الإفريقية يتولاه محمد فائق، ومحمد فتحي الديب مسؤولاً عن الشؤون العربية، وحسن صبري الخولي الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية، والدكتور مراد غالب للشؤون السياسية. وفي الحقيقة فقد صاحب الفترة من 1958 حتى 1961 بعض التعارض والازدواجية بين المكاتب السياسية والإدارات المقابلة لها في وزارة الخارجية، وتم في البداية تعيين كل من حسين ذو الفقار صبري نائباً لوزير الخارجية ومحمد حافظ إسماعيل وكيلاً لهذه الوزارة في محاولة لضبط المسائل ومنع الازدواجية واحتواء المشكلات، ولكنها لم تحل بشكل نهائي إلا بتفرّد وزارة الخارجية بالمسؤولية بتعيين محمود رياض وزيراً لها.

وفي عام 1958 وبعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا كان تنظيم رئاسة الجمهورية كما يوضحه الرسم الكروكي التالي:
تم استحداث ثلاثة قطاعات جديدة هي: مستشارو الرئيس، حيث تولى محمود رياض منصب مستشار الرئيس للشؤون السياسية، وأصبح بذلك مشرفاً على جميع المكاتب السياسية تحت قيادة وزير شؤون رئاسة الجمهورية علي صبري ومتعاوناً عرضياً مع سكرتير الرئيس للمعلومات، وكانت كل التقارير والمذكرات والدراسات تُرفع إلى الرئيس بوساطة سكرتير الرئيس للمعلومات، حيث كانت السكرتارية هي في الوقت نفسه السكرتارية الإدارية والفنية لجميع مكاتب الرئاسة.


كما تولى الدكتور عبدالسلام بدوي منصب مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية ثم تلاه المهندس حلمي السعيد (وزير الكهرباء فيما بعد) عندما عيّن د. بدوي سكرتيراً عاماً لمجلس الوزراء.


ثم سكرتارية الرئيس للمعلومات للإقليم الشمالي في دمشق، وقد تولاها الدكتور حسن صبري الخولي (الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية فيما بعد) (1).
وفي عام 1966 طلب الرئيس جمال عبدالناصر إنشاء قسم خاص في سكرتارية المعلومات يتولى مهمة ترجمة الكتب والدراسات والموسوعات التي تُعتبر الأكثر مبيعاً والأكثر انتشاراً في العالم، وإعداد ملخصات لها، علاوة على ترجمة الكتب التي كانت تُرسل إليه من الرؤساء وكبار المؤلفين والأدباء والكتّاب في مختلف مناحي الحياة والمواضيع، وتولى الإشراف على هذا القسم الدكتور راشد البراوي يعاونه عدد من المترجمين المحترفين، منهم: عبدالعظيم حرب وجمال عبدالكريم ومجموعة من شباب الباحثين الذين أدوا دورهم بكفاءة وبدرجة عالية من الدقة (2). وكانت هذه التراجم تُوزَّع على أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأعضاء مجلس الرئاسة، وأعضاء اللجنة التنفيذية العليا، وبعض الوزراء والمسؤولين المعنيين.

( 5 ) لجان العمل اليومي في مراحلها المختلفة
عقب عدوان 1967 شكّلت لجنة تجتمع مرتين يومياً من كل من: شعراوي جمعة وأمين هويدي وسامي شرف، وكان لها أن تلتقي بمن تراه من المسؤولين لبحث المسائل المتعلقة بتسيير أمور الدولة، وتعرض على الرئيس أهم الموضوعات والتوصيات في مجال تسهيل عملية اتخاذ القرار. وبعد مؤامرة المشير عبدالحكيم عامر تطوّرت هذه اللجنة لتضم أيضاً كلاً من محمود رياض والفريق أول محمد فوزي والفريق محمد أحمد صادق وعبدالمحسن أبوالنور.
وفي بعض الأحيان كان يصعب إتمام اللقاء في مسائل عاجلة وحيوية، فكان يُعقد ما يسمى بالمؤتمر التليفوني عبر شبكة تليفونات خاصة كانت تحت سيطرة المخابرات العامة وذلك بفتح خطوط تليفونية يستحيل التدخل عليها، بين المؤتمرين الذين يتبادلون بحث الموضوع في سرية وبسرعة من دون اللقاء حول مائدة الاجتماعات.

وفي عام 1969 وعلى وجه التحديد اعتباراً من يوم 13 سبتمبر/ أيلول 1969 وهو اليوم الذي أصيب فيه الرئيس جمال عبدالناصر بالأزمة القلبية الأولى أعيد تشكيل مجموعة التلقين اليومي وأطلق عليها اسم “لجنة العمل اليومي” وكان يترأسها أنور السادات وتضم علي صبري وشعراوي جمعة وأمين هويدي والفريق أول محمد فوزي وسامي شرف، كما كان ينضم إليها في بعض الأحيان محمد حسنين هيكل. وكانت هذه اللجنة تطلب استدعاء أيٍّ من المسؤولين أو الوزراء من ذوي العلاقة بالموضوع أو المسائل محل البحث. وكانت هذه اللجنة تجتمع في مكتب سكرتارية الرئيس للمعلومات مرة أو مرّتين في اليوم حسب تطورات الموقف الداخلي والخارجي والعسكري.. إلخ، وفي بعض الأحيان كان يتم الاجتماع في قصر الأمير عبدالمنعم في منطقة بين روكسي والقبة.

أما بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر يوم 28 سبتمبر/ أيلول ،1970 فتشكلت هذه اللجنة من كل من: عبدالمحسن أبوالنور الأمين العام للاتحاد الاشتراكي ومحمود رياض وزير الخارجية وشعراوي جمعة وزير الداخلية وأمين حامد هويدي وزير الدولة حتى خرج من التعديل الوزاري في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 وسامي شرف، وزير شؤون رئاسة الجمهورية ومدير المخابرات العامة (محمد حافظ اسماعيل ثم أحمد كامل) ومدير المخابرات الحربية (اللواء محرز مصطفى عبدالرحمن)، كما كان يحضر اجتماعات هذه اللجنة أيضاً في بعض الأحيان محمد فائق وزير الإعلام وكانت مهمة هذه اللجنة استمراراً لما كانت تقوم به اللجان المشابهة والمشكَّلة منذ سنة 1958.

( 6 ) وخلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا كان الرئيس جمال عبدالناصر يعهد إليّ ببعض المهام السياسية التي كانت تفرضها التطورات الدولية في المنطقة، وكان من بين هذه المهام تكليفي في شهر مايو/ أيار 1958 بالتوجه إلى نيويورك لمعاونة وفد مصر الدائم في الأمم المتحدة في إدارة الأزمة التي أثارها لبنان في عهد كميل شمعون وقتئذٍ عندما تقدم بشكوى ضد الجمهورية العربية المتحدة تتهمها فيها بالتدخل في الشؤون الداخلية للبنان عقب إنزال القوات الأمريكية على أراضيها.

فبعد دراسة الموقف، قرّر الرئيس جمال عبدالناصر عرض وجهة نظر الجمهورية العربية المتحدة في هذه القضية أثناء نظرها أمام مجلس الأمن، وكان يترأس وفد مصر الدائم في ذلك الوقت السفير عمر لطفي. وقبل مغادرتي القاهرة تم عقد اجتماع في القصر الجمهوري في القبة برئاسة الرئيس جمال عبدالناصر وحضره علي صبري ومحمود فوزي وسافرت مزوّداً بالتوجيهات لمقابلة تصرفات وتوجهات الوفد اللبناني الذي كان يترأسه شارل مالك وزير خارجية لبنان والمعروف بميوله الغربية ومعاداته لثورة يوليو/ تموز وكان من ضمن التوجيهات أيضاً العمل على الاتصال والتنسيق مع كل الأطراف المعنية في هذه القضية، ومنها المجموعة العربية، ودول العالم الثالث، وكل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، وكان الجانب الأمريكي قد أخطر فعلاً في القاهرة قبل سفري ممثلاً في شخص السفير الأمريكي وكذا ممثل المخابرات المركزية الأمريكية في القاهرة في ذلك الوقت تشارلز كريمينز.
كان من ضمن أعضاء وفدنا الدائم في نيويورك كل من محمد رياض الذي أصبح وزيراً للدولة للشؤون الخارجية في عهد السادات ويحيى سامي وعمر شرف، وهما اللذان توليا مهمة إدارة جميع اتصالاتي في نيويورك، كما كانا يصحباني في جميع تحركاتي هناك بما فيها الإقامة.

وعندما وصلت إلى مطار “آيدل وايلد” في نيويورك والذي أصبح الآن مطار “كنيدي” نودي على شخصي من قِبل سلطات المطار قبل نزولي من الطائرة حيث اصطحبني أحد المسؤولين هناك إلى مكتب مغلق فيه شخص عرّفني بنفسه أنه موفد من قبل “آلن دالاس” مدير المخابرات المركزية الأمريكية لاستقبالي ولإبلاغي باسم حكومته أنهم قرروا أن أكون ضيفاً على حكومتهم، وأنه قد حجز لي جناحاً خاصاً في فندق “البلازا”، كما تقرر وضع سيارة كاديلاك تحت تصرفي. قمت بشكره واعتذرت عن قبول الضيافة والسيارة، وطلبت منه إبلاغ خالص شكري لرئاسته، موضحاً له بأنني موفد من حكومة الجمهورية العربية المتحدة في مهمة رسمية للمشاركة في اجتماعات مجلس الأمن، وأن حكومتي ستتولى مسؤوليتي بالكامل من ناحية الإقامة والتنقلات. وكان في هذه الأثناء قد تم إنهاء إجراءات الجوازات والجمارك والحجر الصحي بمعرفتهم، واصطحبني إلى خارج المطار حيث كان في استقبالي الوزير المفوّض زكي قناوي المندوب المناوب لوفدنا هناك ومعه كل من يحيى سامي ومحمد رياض وعمر شرف حيث توجهنا إلى منزل عمر شرف للإقامة فيه طيلة فترة إقامتي في نيويورك.

وفي اليوم التالي، عقدنا اجتماعاً مع السفير عمر لطفي وبحضور جميع أعضاء الوفد وذلك لوضع خطة العمل وترتيب وتجهيز الاتصالات مع الوفود الصديقة. وقد كلفت محمد رياض بتولي أعمال السكرتارية وترتيب وتحديد المواعيد مع أعضاء الوفود الأخرى التي يستلزم الأمر الاتصال بها والتنسيق معها. وتمت مع الوفد السوفييتي مقابلة واحدة استغرقت نحو خمسة وعشرين دقيقة في المقر السوفييتي، وبحضور كل من السفير عمر لطفي ومحمد رياض، حيث تبادلنا وجهات النظر معهم بشأن القضية اللبنانية المثارة وقتئذٍ على الوجه سالف الذكر. وبعد انتهاء دورة مجلس الأمن قرّر الرئيس أن أتوجه إلى واشنطن للاطلاع على أسلوب العمل في البيت الأبيض وكان قد تم الترتيب بين القاهرة وبينهم على ذلك وفعلاً قمت بالاطلاع على أساليب العمل فيه خصوصاً كيفية الحصول على المعلومات وترتيبها وتبويبها وعرضها على الرئيس، وفي الواقع لم أجد اختلافاً كبيراً بين الأسلوب الذي كنا نتبعه وما شاهدته هناك، إلا في الإمكانات والمعدات الحديثة المستخدمة. ولقد لفت نظري الحجم الكبير للرقابة التليفونية التي كانت تتم بوساطة الأجهزة المعنية هناك، وعلى سبيل المثال ففي ذلك الوقت كانت تتم مراقبة ما بين ثمانية وعشرة آلاف خط تليفوني في وقت واحد في مدينة نيويورك فقط.

( 7 ) اكتسبت سكرتارية الرئيس للمعلومات نضجها وتطورها مع تقدم الزمن وكان يُجرى سدّ أي ثغرات أو جوانب قصور أولاً بأول مع تزايد حجم العمل.

وندب للعمل بسكرتارية الرئيس للمعلومات أيضاً في هذه الفترة الدكتور أسامة الباز من وزارة الخارجية (3)، وكذلك محمد أبوالغيط وأحمد ماهر وعماد البط ومحمد محمود قاسم وصلاح إبراهيم وعبدالرحمن مرعي ونهاد عسقلاني للمعاونة في دعم المجهود الكبير الذي كان يبذل في تلك الفترة في تجميع وتحليل الأوضاع السياسية، علاوة على اعتبارهم ضباط اتصال بين وزارة الخارجية ومؤسسة الرئاسة، وكان دورهم مؤثراً وإيجابياً في دعم عملية اتخاذ القرار على مستوى رئيس الجمهورية.

وفي واقع الأمر، بدأت صلات خاصة خلال أزمة العدوان الثلاثي سنة 1956 مع بعض السفراء المصريين في الخارج بشكل يكاد يكون منفرداً من السفير عبدالفتاح حسن نائب وزير الخارجية عندما كان ممثلاً لمصر في جنيف، حيث بدأ يراسل الرئيس باعتباره ممثلاً شخصياً له في الخارج عارضاً عليه المواقف المختلفة للدول الممثلة في الأمم المتحدة في جنيف، ثم تطورت هذه الرسائل لتشمل تقويمات وتحليلات للأوضاع وقد رؤي في ذلك الوقت أنه من غير المناسب أن تمر هذه الرسائل في دهاليز الإدارات في الوزارة، وإنما يكون من الأفضل أن تكون تحت أنظار رئيس الدولة مباشرة لما تحويه من آراء ومعلومات حساسة يحسن ألا تتداول منعاً للبلبلة، لأن بعضها يكون قد حصل عليها بطريقة غير رسمية من أحد المسؤولين في الدولة المعتمد فيها أو غير ذلك مما يخرج عن وضعه الرسمي وقد يرى الرئيس أن تحصر مثل هذه الأمور في أضيق دائرة، وأعني بها دائرة اتخاذ القرار. وكانت هذه الرسائل فاتحة لأن يكلفني الرئيس بالتعامل مع بعض سفرائنا في الخارج بمثل هذا الأسلوب، خصوصاً ان وجود السفير في قلب مسرح الأحداث يجعله يرى الأمور بشكل أوقع مما ينشط رؤيته وخياله للوصول إلى تحليل أو استنتاجات أشمل عمّا إذا كان جالساً على مكتبه في القاهرة، كما ان الحرية الكاملة من دون التقيُّد بأسلوب التقرير الرسمي واعتماد أسلوب الخطاب الشخصي سيكون عامل تحرّر لإبداء آراء حرة غير ملزمة أو مقيدة لكونه سفيراً وموظفاً عاماً (4).

وجميع الرسائل التي تبودلت من ومع هؤلاء السفراء محفوظة في أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات في منشية البكري ولدى المؤلف صور من بعضها منشورة في الملحق. وكان على اتصال مباشر أيضاً بسكرتارية الرئيس للمعلومات أعضاء التنظيم الطليعي في وزارة الخارجية الذي بدأ في نهاية ،1964 ولقد أسهم هؤلاء الأعضاء بجهود كبيرة من أجل تصويب مواقف وتوضيح صور وكشف أمور دعمت عملية اتخاذ القرار وأعضاء التنظيم الطليعي في وزارة الخارجية (5).

( 8 ) وفي الاطار نفسه وعقب عدوان 1967 وفي يوم 16/6/1967 على وجه التحديد، قرر الرئيس جمال عبدالناصر انشاء فرع جديد سُمّي “السكرتارية العسكرية لرئيس الجمهورية”، تتبع سكرتير الرئيس للمعلومات (6) وقد رشح الفريق محمد فوزي المقدم عادل ابراهيم محمد، من القيادة العامة للقوات المسلحة للعمل كسكرتير عسكري للرئيس، وكانت مهمته تتلخص في الآتي:

1 تجميع المعلومات العسكرية عن العدو بالتعاون مع مختلف الاجهزة العسكرية والمدنية التي تعمل في هذا المجال.
2 تجميع صورة عن قواتنا المسلحة بالتعاون مع مكتب وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة والمخابرات الحربية، وهيئة عمليات القوات المسلحة، وقيادات الاسلحة الرئيسية في مجالات التدريب والتسليح والعمليات والأمن ومتابعة معدلات التطور في القوات المسلحة.
3 القيام بعمل تحليلات مستمرة للموقف العسكري لقواتنا وقوات العدو، والعوامل المؤثرة في توازن القوى في المنطقة.
4 حضور اجتماعات الرئيس جمال عبدالناصر بالقيادة العامة للقوات المسلحة، والقيام بتسجيل محاضر هذه الاجتماعات (7).
5 مرافقة رئيس الجمهورية خلال حضورة المناورات العسكرية أو زياراته لجبهة القتال أو للوحدات العسكرية المختلفة، وكتابة تقرير عنها وتسجيل ملاحظات وقرارات الرئيس والمناقشات التي تتم اثناء هذه الزيارات (8).

( 9 ) وفي يوم 28 سبتمبر/ايلول 1961 يوم الانفصال حدث تطور جديد حيث انتقلت بمكتب سكرتارية الرئيس للمعلومات بكامل هيئته الى منشية البكري (9).

وفي الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 26 ابريل/نيسان 1970 اضاءت اللمبة الحمراء للخط الساخن بين الرئيس جمال عبدالناصر وبيني فرفعت السماعة قائلا: “أفندم”.

قال الرئيس: “سامي.. صباح الخير.. حا أبعث لك ورقة دلوقتي تكتبها انت بنفسك بعدما تراجعها وتحطها في الشكل المضبوط وترجعها لي على طول..”.

قلت: “حاضر يا فندم”.

بعد دقيقتين وصلني مظروف مغلق من داخل منزل الرئيس، ولما فتحته وجدت به غلاف من الأغلفة الخاصة بسكرتارية الرئيس للمعلومات والذي كان يوضع بداخله عادة التقارير المرفوعة للعرض على الرئيس، وكان مكتوبا على هذا الغلاف وبالميل وبخط يد عبدالناصر ما يلي:

“أصدر الرئيس جمال عبدالناصر القرارات التالية:
أولا: عين كلاً من: حسن التهامي وزيرا للدولة، سعد زايد وزيرا للاسكان، سامي شرف وزيرا للدولة، محمد حسنين هيكل وزيرا للارشاد القومي.

ثانيا: عين محد فائق وزيرا للدولة للشؤون الخارجية.

ثالثا: عين بدرجة وزير برئاسة الجمهورية كلاً من:
محمود الجيار، محمد أحمد، عبدالمجيد فريد، حسن صبري الخولي، عبدالرحمن أبو العينين.
أعددت مشاريع القرارات الجمهورية وبعثت بها الى الرئيس في غرفة نومه، فطلبني وقال لي: “مش عايز حد يعرف بالقرارات دي إلا لما اكلمك ثاني”.

ثم قال لي: “طيب ليه انت كتبت في القرار هيكل قبلك؟ هو أنا كاتب مين قبل مين فيكم؟”.
فقلت له: “أنا تقيدت بوضع قانوني.. فهيكل رئيس مؤسسة يعني يعامل ماليا بدرجة وزير.. أما أنا فمستشار لرئيس الجمهورية بدرجة نائب وزير”.
فقال الرئيس: “هي الدرجات العليا بنتقيد فيها بالأقدميات؟ أنا حا أرجع لك القرار تعيد كتابته كما كتبته أنا بخط ايدي.. انت قبل هيكل.. وأنا عارف أنا باكتب إيه وليه.. وابعث لي مع القرار الجديد الورقة المسودة اللي بخط يدي..”.
ثم سألني: “انت يعني ما سألتنيش ليه القرارات دي؟! ودلوقت!”
فقلت له: “أنا فاهم ليه قرار هيكل ومحمد فائق”.
قال لي: ليه؟
فقلت “علشان هيكل في الايام الاخيرة أصبح كثير التعليق على ما يجري في مجال الاعلام والصحافة”.
فقال لي: “صحيح.. وعلشان كده أنا قلت ييجي وزير اعلام ونشوف حايقدر يعمل ايه لما يبقى المسؤول الرئيسي.. وعلى الله يقدر ينفذ اقتراحاته وانتقادته الكثيرة وهو وزير للارشاد القومي.. وطبعا محمد فائق حايقدر يسد في الخارجية ويساعد رياض ويفضل برضه مسؤول عن افريقيا..”.

ثم سألني الرئيس: “عارف أنا عينت الباقين بدرجة وزير ليه؟ علشان ما حدش منهم يقعد يقول اشمعنى واشمعنى.. وخصوصا انهم كلهم عينهم عليك انت وهيكل ومحمد فايق بالذات.. ومن ناحية تانية دي تجربة لتطبيق عملي على الاشخاص لبيان 30 مارس/آذار على مستوى مؤسسة الرئاسة واعادة تنظيمها.. ودي حايكون عليك حمل كبير فيها”.

وبعد نصف ساعة تقريبا اتصل الرئيس جمال عبدالناصر بي وقال: “يا سامي.. أنا بعثت لك القرارات موقعة وتذاع الساعة الثانية عشرة ظهرا تماما في الاذاعة والتلفزيون.. وما تبلغش أي حد بها قبل اذاعتها.. وبالذات هيكل”.

فقلت للرئيس: “بس يافندم محمد فائق لازم يعرفها لأنه هو اللي حايصدر أمر اذاعتها”.
فقال: “ما فيش مانع..”.

اتصلت بمحمد فائق الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً بالضبط وأبلغته بالقرارات، فاندهش منها.. خصوصا ما يتعلق به وبهيكل، إلا أنني افهمته بصفة خاصة وشخصية بما قاله الرئيس حول هذا القرار.. فاقتنع ولم يعقب، واذيعت القرارات في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرا وفي الحال اتصل بي هيكل تليفونيا يستفسر مني عن مدى صحة هذا الخبر فأكدته له ولم أزد، فسألني هل الرئيس فوق أم في المكتب وهل عنده ضيوف أم لا؟ فقلت له ان الرئيس في المكتب.

وبعدها بقليل كلمني الرئيس قائلا ان هيكل اتصل به ورجاه ان يبقى كما هو في “الاهرام” وإنه لا داعي لهذا القرار، إلا ان الرئيس كرر له ما قاله لي أنه اتخذ هذا القرار لكي نستفيد من آرائه وافكاره وانتقاداته التي كثرت مؤخرا، وان الرئيس قد أتاح له الفرصة من أوسع الأبواب لكي ينفذ ما يراه في مجال الاعلام، كما وافق عبدالناصر على بقاء هيكل رئيسا لمؤسسة الاهرام بالاضافة الى منصبه الجديد (10).


( 10 ) وفي 28 يونيو/حزيران 1970 كلفني الرئيس جمال عبدالناصر بأن اقوم بدراسة وبحث مشروع قرار جديد خاص بتشكيل “مجلس للأمن القومي” يكون مسؤولا عن عملية صنع القرار بالكامل في شقيه الداخلي والخارجي، وفيما يلي صورة المسودة التي أعدها الرئيس عبدالناصر بخط يده: CD47.

ذلك كان هو الاطار العام الذي بنيته وعملت من خلاله منذ توليت هذه المهمة في سنة 1955 وحتى رحيل الرئيس جمال عبدالناصر، ولعل في فصول أخرى في هذه المذكرات ما يشير الى ان دوري لم يقتصر على المفهوم الاداري من وظيفة سكرتارية المعلومات بوصفها قناة ربط بين الرئيس ومختلف مؤسسات وشخصيات الدولة، وإنما تحول ونما تدريجيا الى دور المستشار السياسي وكاتم الأسرار والفاعل الرئيسي في تنفيذ الكثير من المهام بناء على تكليف من الرئيس خاصة في المجالات الأمنية والسياسية والعمل الشعبي وفي التنظيم الطليعي.. وكان أنور السادات يدرك ذلك جيدا، بل وحاول ان يواصل نفس الاسلوب بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر، لكن الرواسب كانت أكبر من القدرة على تجاوزها أو كتمانها. وإذا كانت العلاقة الشائكة مع المؤسسة العسكرية قد تم تصفيتها بعد يونيو/حزيران 1967 وفي حياة الرئيس جمال عبدالناصر، فإن العلاقات مع نائب الرئيس انور السادات لم تأخذ فرصتها لهذه التسوية على الاطلاق، وفي اعتقادي ان السبب هو ان سامي شرف يعرف الكثير..!


عبدالناصر والتنظيم السياسي

لقد انطلقت ثورة 23 يوليو/تموز من تنظيم سياسي من الدرجة الأولى هو “تنظيم الضباط الاحرار” الذي أدى مهمته على أكمل وجه منذ بداية التفكير فيه وحتى تنفيذ الثورة في 23 يوليو/تموز 1952. وبعدها حاولت بعض التيارات من داخل التنظيم ان تجعل من نفسها سلطة رقابة على ممارسات مجلس قيادة الثورة مستندة الى وجودها داخل القوات المسلحة وساعية الى استخدام قوة المؤسسة العسكرية لخدمة هذا الدور، وهو ما تسبب في خلق عدد من الازمات والمواجهات دفعت الرئيس عبدالناصر الى ان يضع خطا فاصلا بين العمل السياسي وبين القوات المسلحة، وطالب جميع أعضاء التنظيم ان يحسموا اختيارهم، إما البقاء في الجيش أو الابتعاد تماما عن التدخل في السياسة، وإما الانتقال الى الحياة المدنية ووقف أية اتصالات لهم بالقوات المسلحة.

وجرب الرئيس جمال عبدالناصر في الوقت نفسه ان يستعين بالتركيبة الحزبية القديمة لتكون هي الاطار الذي يمكن من خلاله تحقيق أوسع مشاركة للجماهير في الحكم، مشترطا ان تقوم الاحزاب بإعادة توفيق أوضاعها لتنسجم مع حركة التغيير الشامل التي جاءت بها الثورة. وازاء فشل هذه العملية من جانب، واعتراض غالبية أعضاء مجلس قيادة الثورة على إعادة التجربة الحزبية السابقة بما احاط بها من شوائب من جانب آخر، اتجه النظام الجديد الى التفكير في انشاء تنظيم سياسي بديل يحقق المشاركة المستهدفة. لقد ادرك قادة الثورة وفي مقدمتهم الرئيس جمال عبدالناصر ان العملية السياسية تقوم على طرفين أساسيين، ولا يمكن ممارستها بوساطة طرف واحد مهما بلغ اخلاصه ومهما توفرت له من قوة، وهما القيادة والجماهير، وان العلاقة بين هذين الطرفين تتطلب نظاما للاتصال يتم من خلال ابلاغ الجماهير بكل ما يدور في فكر القيادة من آمال، وما يواجهها من صعوبات؛ وهو ما يتم انجازه من خلال جهاز الاعلام الى جانب الاتصال المباشر مع الجماهير من خلال المؤتمرات الشعبية والخطب والحوارات. وكان رجال الثورة على وعي كامل بأهمية هذه العملية في وقت كانت فيه وسائل الاتصال بدائية للغاية اذا ما قورنت بما هي عليه اليوم من تقدم، حتى انهم عمدوا يوم تنازل الملك فاروق عن السلطة ومغادرته الاسكندرية في 26 يوليو/تموز ،1952 الى استخدام سيارات تجوب الشوارع في القاهرة والاسكندرية وبعض المدن الرئيسية الاخرى وعليها ميكروفونات يعلنون من خلالها هذا الحدث؛ فقد كان الراديو وقتها هو الوسيلة الوحيدة تقريبا من وسائل الاتصال ولم يكن بالكفاءة المطلوبة من حيث مدى البث، كما كانت الصحف ايضا ذات توزيع محدود، وإمكانات أدنى بكثير جدا من احتياجات البلاد في هذه الفترة والأمية تسيطر على أكثر من 75% من ابناء الشعب.

ومن جانب آخر فإن العلاقة بين القيادة والجماهير لم تقتصر على نظام الاتصال فقط بالمفهوم السابق بل كانت تتطلب نظاما موازيا يهيئ فرص المشاركة الفعالة والايجابية لجماهير الشعب في الحكم وصناعة القرار ولا يتأتي ذلك إلا من خلال تنظيم سياسي ذي قدرة، وطالما ان التنظيمات السابقة للثورة لم تعد صالحة للمرحلة الجديدة فكان لا بد من الدخول في تجارب متوالية لتحقيق هذا الهدف.

والتنظيم السياسي ايضا اذا ما بني على أسس قوية وسليمة يمكن ان يقدم الوسيلة الفعالة في انجاز حركة التنمية بمختلف جوانبها. والتنظيم السياسي هو الذي يجعل لحركة الجماهير أهميتها وقيمتها ويعمل على تعبئتها لمصلحة تحقيق الهدف المنشود أو لمواجهة خطر داهم، وفي هذا المجال يقول الرئيس خلال لقائه مع ضباط القوات المسلحة في ناديهم في مدينة الاسماعيلية في عام 1964:

“إن أي انسان مهما كان عمله يستطيع ان يؤثر وان يغير في المجتمع سلبا أو ايجابا ولا يقل تأثير عامل النظافة في حي من الأحياء عن أحد رؤساء الادارات، ولا يقل تأثير كاتب بسيط أو غفير يحرس منشأة عن رجل له رتبة رسمية أعلى، وكلما كان للانسان هدف لخدمة المجتمع عن طريق عمله واخلاصه وثوريته وسلوكه فإن تأثيره يكون أهم وأكثر ايجابية.. ان وضوح الهدف امام جماهير الشعب أمر لازم، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق أمل المجتمع. فإن عمل الجماهير يحتاج الى التنظيم السياسي الذي يحرك مسيرة الجماهير ويوضح الرؤية أمامها، يحتاج الى الرعاية والتوعية وتجسيد الهدف، يحتاج الى القيادة القادرة المخلصة والمؤمنة بالجماهير وآمالها.. وذلك هو الضمان الذي يجعل حركة الجماهير وحياتها واندفاعها بهذا الأمل ونموه حركة منتجة واعية منتظمة وليست عشوائية، تتجنب الدروب والمساك الفرعية التي لا تصل بها إلا الى متاهات الصراع والضياع”.

وكان لتدرج اهداف وأولويات الثورة دوره في طبيعة التنظيم السياسي الذي قام في كل مرحلة.التنظيمات السياسية الأولى للثورة

لقد اعقب حسم الأمر مع الأحزاب القديمة وثبوت فشل التعاون، اعلان تشكيل “هيئة التحرير” في 23 يناير/كانون الثاني 1953. لقد تجمعت في هذه المرحلة كل الجهود وكل القوى من أجل هدف سياسي واحد هو التحرر.. التحرر من الاستعمار البريطاني، والتحرر من النفوذ الاجنبي في كل اشكاله، وتلك كانت المهمة الرئيسية لهيئة التحرير أي دعم المفاوض المصري في مواجهة المستعمر البريطاني وسعيه لتحقيق الجلاء. وكانت من مسؤوليات هيئة التحرير ايضا دعم حركة العمل الفدائي في منطقة القناة، وداخل الأراضي “الاسرائيلية” عبر قطاع غزة، الى جانب حشد الجماهير المصرية وراء الأهداف والمبادئ التي اعلنتها ثورة يوليو/تموز 52.

وكان من أهداف هيئة التحرير كذلك شغل الفراغ السياسي بعد الغاء الاحزاب، وقدمت هيئة التحرير لا بوصفها حزبا سياسيا، بل باعتبارها برنامجا لتنظيم القوى الشعبية واعادة بناء المجتمع على أسس جديدة. وكان هدف الهيئة هو تعبئة الشعب تحت شعار “الاتحاد والنظام والعمل”.

وانتهت هذه المرحلة بتوقيع اتفاقية الجلاء في يونيو/حزيران ،1954 وصدور الدستور الدائم في يناير/كانون الثاني 1956 حيث اتجه الرأي الى اقامة “الاتحاد القومي”، وكان هدفه هو جمع شمل الأمة بكل فئاتها وراء المشروع القومي الكبير الذي طرحته الثورة عن التحرر والتنمية وبناء الكيان العربي الشامل. وفي تشكيل الاتحاد القومي تغلب الهدف السياسي على الاهداف الاجتماعية، وحاول تعويض حركة الاحزاب السياسية في الشارع السياسي المصري، ثم بعد ذلك في دولة الوحدة مع سوريا بعد حل الاحزاب السياسية السورية.


جاءت تجربة الاتحاد القومي في ظل مرحلة تأكيد الاستقلال السياسي واستكماله بالاستقلال الاقتصادي، حيث توازى معه صدور قرارات كبرى مثل تأميم قناة السويس، وتصفية العدوان الثلاثي سنة ،1956 والعمل من أجل بناء مجتمع جديد يدخل التصنيع كعامل مهم في تجديد موارده والسعي لفرض سيطرة الدولة على المصالح والاحتكارات الاجنبية في مصر.

وفي الاتحاد القومي التقت كل الفئات صاحبة المصلحة في الثورة؛ من مهنيين الى مثقفين الى العمال والفلاحين والرأسمالية المصرية، فقد كان الهدف هو تجميع القوى الوطنية في اطار لا يحمل تناقضات عدائية فيما بينها، إذ ان التناقض العدائي الوحيد كان مع المستعمر الاجنبي، ومن ثم كان التنظيم في رأي الرئيس جمال عبدالناصر اطار لصيانة الوحدة الوطنية والقومية بطريقة تتناسب مع طبيعة المجتمع وخصوصيته، مع استبعاد الأخذ بتجربة الحزب الواحد أو تعدد الأحزاب على أساس أنه يمكن من خلال التشكيل الجديد تفادي عيوب التجربتين.

وتأكيدا لهذه الفكرة جاء في خطاب للرئيس عبدالناصر بتاريخ 27 نوفمير/تشرين الثاني 1959 ما نصه: “ان الاتحاد القومي هو اطار يصون الوحدة الوطنية.. ان مجرد قيامه لا يحل التناقضات في مجتمعنا. إنه لا يمنع تصادم المصالح ولا تعارض الآراء، إنما هو مجرد اطار للوحدة الوطنية يسمح للمتناقضات ان توازن نفسها، ويسمح للمصالح المتصادمة والآراء المتعارضة ان تجد نقطة لقاء بينها في حماية الوحدة الوطنية بطريقة تتلاءم مع طبيعة شعبنا، ولقد كان ايماننا أنه يمكن في اطار الوحدة القومية ان تتفاعل الطبقات بما يقرب بينها، وان يقل التناقض بطريقة سليمة لا مصادرة فيها، ولا سفك دماء، ان يتم الاتجاه الى الاستقرار الوطني القائم على العدل الاجتماعي..”.

وعلى الرغم من ان صيغة الاتحاد القومي كانت أكثر حيوية من الصيغة السابقة أي هيئة التحرير، إلا ان التناقضات وأوجه القصور قد فرضت نفسها على العلاقات في داخل التنظيم، ومن ثم على مستوى أدائه. ولم يفلح التنظيم في بناء التعايش السلمي الذي كان هدفا أساسيا له، فضلا عن استمرار تصادم المصالح. وقد ساعد على ذلك هيمنة القوى المحافظة على الاتحاد القومي وبخاصة في الاقليم السوري خلال فترة الوحدة وبخاصة في الاقليم السوري خلال فترة الوحدة كما ضعفت الروابط من داخله، ولم يستطع ان يجاري القيادة الثورية في سعيها لتوسيع حركة الوعي السياسي التحرري، لكنه في النهاية كان أحد الأدوات المهمة في بلورة البحث عن طريق جديد.

الهوامش


(1) وأصبح الهيكل التنظيمي لرئاسة الجمهورية في عام 1958 ملحق رقم “3”.

(2) ملحق رقم “4”، فيه نماذج فيها.

(3) وقد بدأت معرفتي به منذ سنة 1952 حيث كان أحد أفراد إدارة الأبحاث في وزارة الخارجية وكان من قبل وكيلاً لنيابة بورسعيد ثم التحق بالسلك الدبلوماسي ومنذ أن عملت في هيئة رقابة الأداة الحكومية كنت أتردَّد على إدارة الأبحاث لمتابعة مواضيع تتعلق بوزارة الخارجية ونشأت بيننا علاقة قوية استمرت حتى اليوم، تخللها تعامل مع سكرتارية الرئيس للمعلومات واتصال مستمر، باعتباره عضواً فيها منذ أن بدأ يحضِّر للدكتوراه في أمريكا، وقد انتُخب في ذلك الوقت رئيساً لاتحاد الطلبة العرب في الولايات المتحدة الأمريكية مدعوماً من الرئيس عبدالناصر وأمانة التنظيم الطليعي (تنظيم الخارج) من أجل العمل على تجنيد الطلبة العرب لخدمة القضايا القومية العربية ومقابلة ومناهضة الأنشطة السياسية والعنصرية المعادية، وقد نجح بجدارة هو والطاقم المعاون له في كل ما أوكل إليه من مهام، وبعد عودته انضم إلى العمل في سكرتارية الرئيس للمعلومات، كضابط اتصال بينها ووزارة الخارجية لفترة، ثم عاد للعمل في وزارة الخارجية.

(4) ومن أمثلة السفراء الذين كانوا يتعاملون مع سكرتارية الرئيس للمعلومات بطريقة الخطابات الشخصية على امتداد عمل سكرتارية الرئيس للمعلومات حتى 1971:

أحمد حسن الفقي (واشنطن لندن) حافظ أبوالشهود (أول من أنشأ المعهد الدبلوماسي ومهندس العلاقات المصرية السعودية في الخمسينات) عبدالجواد طبالة (السعودية يوغسلافيا) مصطفى كامل (واشنطن نيودلهي) محمد عوض القوني (موسكو نيويورك) عبدالمنعم النجار (باريس) محمد حافظ اسماعيل (لندن باريس) عيسى سراج الدين (مدريد باريس نيودلهي) علي خشبة (الجزائر جدة) يحيى عبدالقادر (جدة موسكو) أنور السكري (جدة الخرطوم) عبدالحميد غالب (بيروت) محمد مراد غالب (الكونجو موسكو) أحمد لطفي متولي (قطر بغداد نيقوسيا) أمين حامد هويدي (الرباط بغداد) محمد مصطفى لطفي (نيقوسيا) عثمان نوري (عمان) ثروت عكاشة (باريس روما) محمد فتحي الديب (برن ليبيا) حسين ذو الفقار صبري (برن) عبدالفتاح حسن (لندن الخرطوم جنيف) محمود رياض (دمشق) إبراهيم صبري (أثينا بيروت) فؤاد محمد شبل (جاكرتا موسكو) مصطفى مرتجى (روما الجزائر) جمال شعير (لندن طرابلس ليبيا) محمد المصري (ليبيا بيروت بغداد) محب السمرة (مقديشو لندن) محمد سميح أنور (لندن) حمدي أبوزيد (بلجراد) أمين شاكر (بروكسل) صلاح الدسوقي (هلسنكي) كمال الدين صلاح (الصومال مقديشو) محمود فوزي كامل (الخرطوم).

(5) وهم: حسن بلبل حسين خلاف سميح أنور يحيى عبدالقادر مراد غالب عبدالمنعم النجار أحمد عصمت عبدالمجيد حمدي أبوزيد مصطفى مختار لطفي متولي فتحي الديب أمين هويدي جمال شعير أسامة الباز أحمد محمد صدقي عمرو محمود موسى وفاء حجازي أنور السكري عزالدين شرف أمين يسري أحمد يسري إبراهيم يسري عبدالرحمن علي شوقي الحديدي فخري أحمد عثمان أحمد مختار الجمال مختار الحمزاوي بهجت إبراهيم الدسوقي محب السمرة مصطفى مرتجى محمد التابعي إبراهيم سامي جاد الحق علي خشبة سمير عباسي محمود فوزي كامل فتح الله الضلعي عادل شرف الدين مصطفى حنفي حسن شاش فوزي محبوب عمر جاد الحق حسن عبدالحق محمد أبوالغيط.

وكان السفير حسن بلبل هو المسؤول عن التنظيم الطليعي في وزارة الخارجية وكنت باعتباري عضو الأمانة العامة للتنظيم الطليعي المسؤول الأول عن أعضاء التنظيم الطليعي في الخارج.

(6) هيكل مؤسسة الرئاسة أصبح كما هو موضح في الملحق (5). 16 6 1967.

(7) تم فعلا تسجيل هذه الاجتماعات كلها سواء تلك التي عقدت في مبنى القيادة العامة أو خارجها وكانت هذه التسجيلات ومحاضرها محفوظة في خزينة خاصة في مكتبي الشخصي بمنشية البكري حتى يوم 13مايو/أيار 1971.

(8) وكانت موجودة ايضا في الخزينة الخاصة في مكتبي بمنشية البكري.

(9) وكانت سكرتارية الرئيس للمعلومات قد اتخذت جغرافيا مقرات عدة في اماكن مختلفة منذ ان تم انشاؤها حتى هذا التاريخ. ففي المدة من ابريل/نيسان 1955 حتى أوائل 1957 كان مقرها هو مبنى رئاسة مجلس الوزراء بشارع قصر العيني. ثم في المدة من أوائل 1957 حتى ربيع 1959 في مبنى رئاسة الجمهورية في مصر الجديدة (ما سمى بالحكومة المركزية في هذه الفترة). وبعد ذلك في المدة من ربيع 1959 حتى يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 1961 في القصر الجمهوري بالقبة، والمقر الأخير في منشية البكري امتد الى يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1970 بالمنزل المقابل لمنزل الرئيس جمال عبدالناصر.

(10) وكان ان صدر القراران الجمهوريان 685 و687 لسنة 1970 بتاريخ 20 صفر 1390 (26 ابريل 1970).

(الاوراق المتعلقة بهذه الحكاية محفوظة في ارشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات في منشية البكري).


وبعد تعييني وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء بنفس اختصاصات سكرتير الرئيس للمعلومات علاوة على تولي مسؤولية رئاسة الجمهورية اداريا وماليا فقد أعيد تنظيم رئاسة الجمهورية وفقا للكروكي التالي:



الخليج الإماراتية
30.9.2003 "

..............."

إنتهى نقل هذا الجزء

يحى الشاعر

- يتبع -


Graphic by Martin

Back to Index & proceed
الــــرجوع الى الفهـــرس للمتابعة والمواصلة

You are my today's
زيارتكم هى رقم

Web guest

Thank you for your visit
شـــكرا لزيارتكم الكريمة






© 2007 Yahia Al Shaer. All rights reserved.

This web site is maintained by

ICCT, International Computer Consulting & Training, Germany, US