Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf

حكايات عن جمال عبدالناصر

يرويها سامى شرف

ـ 1 ـ

حكايات عن جمال عبدالناصر ... يرويها سامى شرف

...

.......

....

ابن مين فى مصر؟

فى اختبار كشف الهيئة للالتحاق بالكلية الحربية دار هذا الحديث:

- اسمك إيه؟ -- جمال عبدالناصر حسين.

- أبوك بيشتغل إيه؟

--موظف فى مصلحة البريد

-موظف كبير؟

-- لأ.. موظف صغير

- بلدكم إيه؟

-- بنى مر.. مديرية أسيوط

- يعنى فلاحين؟

--أيوه

-فيه حد من عيلتكم ضابط جيش؟

-- لأ

- أمال أنت عاوز تبقى ضابط ليه؟

-- علشان أبذل دمى فداء للوطن

- عندكم أملاك؟

-- إحنا ناس كادحين

- فيه حد اتكلم علشانك؟

-- واسطة يعني؟.. أنا واسطتى ربنا

- أنت اشتركت فى مظاهرة 1935؟

-- أيوه..

- كده؟!.. طيب اتفضل أنت!!

بعد هذا الحوار دخل جمال عبدالناصر كلية الحقوق فى جامعة فؤاد الأول القاهرة لمدة عام، وفى العام التالى تقدم للالتحاق مرة أخرى بالكلية الحربية بعد أن تمكن من مقابلة اللواء إبراهيم خيرى باشا وكيل وزارة الحربية الذى استفهم منه عن طلب لقائه فقال جمال عبدالناصر إنه يريد الالتحاق بالكلية الحربية ثم سأل الباشا: هى الكلية الحربية يا باشا ما تقبلشى الطلبة إلا إذا كان عندهم واسطة أم أن هناك قواعد عامة تسرى على الجميع؟.

فسأله الباشا: هل قدمت طلبا ورفضت؟

فرد عبدالناصر: أيوه ونجحت فى الكشف الطبى ولكن كشف الهيئة يحتاج لواسطة وأنا ليس لى واسطة ومعنى ذلك أن أعود لكلية الحقوق.. فقال اللواء خيري: يا ابنى تقدم مرة ثانية للكلية.. وتقدم جمال عبدالناصر للمرة الثانية وفوجئ أن اللواء إبراهيم باشا خيرى وكيل وزارة الحربية على رأس لجنة كشف الهيئة وأمر بقبوله.

عنوانه إيه؟

أحست القيادات السياسية والعسكرية والقصر الملكى والبوليس السياسى قبل الثورة بتحركات الضباط الأحرار وبالذات نشاط جمال عبدالناصر فيما يختص بتدريب الفدائيين فاصطحبه اللواء عثمان باشا المهدى رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصرى لمقابلة إبراهيم باشا عبدالهادى رئيس وزراء مصر فى ذلك الوقت وبحضور اللواء أحمد طلعت رئيس القلم السياسى.

اتهم إبراهيم عبدالهادى الصاغ جمال عبدالناصر بالعمل فى منظمات سرية وتدريب أفرادها على الأسلحة والمتفجرات، فرد عليه عبدالناصر بأنه كان يحارب فى فلسطين من 15 مايو 1948 حتى 6 مارس 1949، وقال له لو اتيحت له الفرصة لما تأخر عن تدريب المتطوعين لحرب فلسطين لأنه من صميم العمل الوطنى. فقال إبراهيم عبدالهادي: حاجة عجيبة.. لكن أنا عندى أكثر من تقرير بيقول إنك كنت بتدرب المنظمات السرية دى، ثم إن المعتقلين من أعضاء هذه المنظمات اعترفوا بأنك كنت بتدربهم. أنا على كل حال موش عاوز منك حاجة كبيرة قوى، أنا عاوزك ترشدنا للضباط اللى اشتركوا معك فى تدريبهم.. انت تعرف محمود لبيب؟. فرد الصاع عبدالناصر: طبعا.. كانت حرب فلسطين هى العلاقة الوحيدة اللى تربطنى به، وكنا بنجتمع لتنظيم الدفاع عن فلسطين.

إبراهيم عبدالهادي: مين عرّفك به؟

عبدالناصر: اليوزباشى أنور الصيحى.

وفرح إبراهيم عبدالهادى بهذه الإجابة وأمسك بالنوتة والقلم ليكتب ما اعتقد أنه نجح فى استدراج عبدالناصر للاعتراف على زملائه وبدا مستعدا ليكتب أسماء الضباط الأحرار وسأل: أنور الصيحى عنوانه إيه بقي؟

فأجاب عبدالناصر بهدوء: عند الله.. لقد استشهد فى فلسطين. ثار إبراهيم عبدالهادى وابتسم جمال عبدالناصر وصرخ الباشا رئيس الوزراء:

أنت بتسخر مني؟.. أنت فاكرنى إيه؟.. أنا حاوديك فى داهية وأسلّمك للبوليس.. أنت فاهم كويس؟! بقى وظل عبدالناصر مسيطرا على أعصابه هادئا فى رد فعله إلى أن التفت إبراهيم عبدالهادى إلى اللواء عثمان المهدى باشا قائلا: يروح دلوقت.. لكن يكون فى علمك إننا حانأخذ بالنا من الضابط ده كويس.. وإنت يا عثمان باشا تروح تفتش بيته وتستولى على الأسلحة والذخيرة اللى فيه. وفعلا توجه اللواء عثمان المهدى إلى منزل الصاغ جمال عبدالناصر واستولى على 200 طلقة محفوظة فى مكتب القائمقام عبدالعزيز فتحى حتى استردت يوم 23 يوليو 1952.

بتوعكم أثناء اللقاء الصباحى اليومى فى مكتبى مع السيد شعراوى جمعة، طلب الرئيس جمال عبدالناصر أن أقوم بتكليف السيد شعراوى جمعة بتبليغ رسالة معينة رسالة ذات طابع شخصى وخاص وكان الرئيس جمال عبدالناصر رئيسا للوزراء أيضا فى ذلك الوقت عندما أبلغت السيد شعراوى بالرسالة اعتبر أنها قد تثير حساسيات فى العلاقة بينه وبين الوزير المعنى، رجانى أن أعتذر للرئيس عن القيام بهذه المهمة. ولما نقلت رغبة شعراوى للرئيس سألني:هو الوزير ده موش عضو فى التنظيم الطليعي؟.

قلت:أيوه يا فندم.

قال الرئيس: أنا عايز الوزراء يبقوا بتوعكم....

فرديت فورا قائلا: لا بتوع سيادتك...

فكرر الرئيس قوله بإصرار: لا بتوعكم إنتم...

كان حاضر هذا الحديث السيد شعراوى جمعة والفريق أول محمد فوزى.

وقد أعقب هذا اللقاء أن وصل للرئيس جمال عبدالناصر فى نفس اليوم تقريرا ملخصه أن السيد شعراوى جمعة عقد اجتماعا للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى ما عدا السيدين أنور السادات وحسين الشافعى، وأنه أى شعراوى جمعة قد انتقد فى هذا الاجتماع تصرف الرئيس جمال عبدالناصر بتعيين سامى شرف وزيرا للدولة، وأنه طلب من الحضور أن يتوجهوا لمنزل الرئيس ويقوموا بتهديده.

وما إن اطلع الرئيس عبدالناصر على التقرير حتى أشر عليه:

سامى تطلب مقدم التقرير وتعرف منه الحقيقة.

وقد استدعيت مقدم التقرير وواجهته بما كتب حيث أطلعته على التقرير بخط يده وكان قد وصل للرئيس عن غير طريقى فارتبك الرجل وتلجلج ولم يعرف بما يجيب عن سؤالى ولما كررت عليه الاستفسار عن الحقيقة، قال لى اعفينى من الإجابة لأن هذه المعلومة وصلتنى كشائعة، ولم أعقب وصرفت الرجل، ولما أُبلغ الرئيس بنتيجة المواجهة قال لي: سيب لى الموضوع ده وأنا سوف اتصرف بمعرفتى. ولم يتطريق الرئيس مطلقا لهذا الموضوع مع شعراوى جمعة.

ما هى عاصمة جامبيا؟

فى أواخر شهر إبريل سنة 1970 وبعد تعيين حسن التهامى وسعد زايد وسامى شرف ومحمد حسنين هيكل أعضاء فى مجلس الوزراء، أبدى السيد محمود الجيار نوعا من الاعتراض وعدم الرضا وتحدث مع بعض الأخوة فى الرئاسة حول هذه التعيينات، ولما بلغ الرئيس جمال عبدالناصر ما يردده الأخ محمود الجيار استدعاه إلى مكتبه واستفسر منه عن وجهة نظره، فكان رده أن خدمته الطويلة وإخلاصه للرئيس تؤهلانه ليكون وزيرا، فقال له الرئيس إن مؤهلات تعيين الوزير تشمل مسائل وضوابط ومقومات أكثر بكثير مما ترى يا محمود وعلى العموم سوف أسألك سؤال محدد لو أجبته سوف أعينك وزيرا..

وابتسم محمود الجيار على اعتبار أن رد الرئيس مفاده أنه سيعينه وزيرا فعلا: ما هى عاصمة جامبيا يا محمود؟!.. لو عرفت تجاوب عن هذا السؤال سأصدر قرارا بتعيينك وزيرا وأسقط فى يد الرجل ولم يعرف كيف يجيب، كما لم يعرف أين تقع جامبيا ولا عاصمتها. وخرج الأخ محمود الجيار من مكتب الرئيس جمال عبدالناصر ولم ينطق بكلمة..

وعلى الرغم من هذا فقد أصدر عبدالناصر قرارا بتعيين الجيار وآخرين بدرجة وزير فى رئاسة الجمهورية بعد ذلك لأسباب أخرى.

موقف مع السفير الأمريكى فى القاهرة

فى عشاء بمنزل السفير أحمد حسين سفير مصر فى واشنطن خلال سنة 1955 حضره جمال عبدالناصر وبعض أعضاء مجلس الثورة، و إريك جونستون المبعوث الخاص للرئيس الأمريكى ايزنهاور وصاحب المشروع الشهير باسمه لاستغلال مياه الأردن وكيرميت روزفلت حفيد تيودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فى بداية القرن الحاضر و هنرى بايرود السفير الأمريكى فى القاهرة، دارت أحاديث طويلة وكثيرة واستفسارات من كل من جونستون و روزفلت وكان الرئيس جمال عبدالناصر يقول بين الوقت والآخر، إن بايرود يعرف الإجابة عن كل ما تسألون عنه يقصد مواقف مصر الرسمية من كل هذه الأسئلة ولقد قلت له رأينا فى كل ما تسألون عنه أكثر من مرة. وفجأة قال السفير بايرود: سيدى الرئيس إننى أعرف هذا كله، ولكننى لا أعرف لماذا ضُرب أحد رجالى اليوم فى مدينة السويس. ن

ظر كل الحضور إلى بايرود بدهشة كبيرة لتحويله مجرى الحديث والمناقشات، وللعصبية المكبوتة فى كلماته، واستمر بايرود قائلا: إن المستر فينش الملحق العمالى فى سفارتى كان يقوم بزيارة لمصنع تكرير البترول فى مدينة السويس، وقد ضربه العمال هناك إلى حد كاد يفضى به إلى الموت.

قال عبدالناصر بهدوء:

إن المستر فينش كما تقول معلوماتنا ليس مجرد ملحق عمالى بالسفارة، ولكنه ممثل للمخابرات المركزية الأمريكية CIA، ولقد طلبنا إليكم أكثر من مرة أن يمتنع عن الذهاب إلى المناطق العمالية، لكنه مازال مصرا على عدم الالتزام بما نصحنا به وعليه أن يتحمل نتائج أية مشكلة تقع له من جانب نقابات العمال التى تعرف طبيعة مهمته وترفض دخوله وسط عمالنا.

قال بايرود: أخشى أن أقول يا سيدى الرئيس إن عمالكم تصرفوا بطريقة غير متحضرة..

فنظر إليه جمال عبدالناصر وقام بإطفاء سيجارته على مائدة أمامه ثم قال:

سوف أتركك الليلة تقرأ كتابا عن الحضارة المصرية وتاريخها البعيد، وعندما تتعلم منه شيئا نتكلم مرة أخرى..

قام عبدالناصر ومبعوثا أيزنهاور اللذين سارا معه حتى باب السيارة يحاولان الاعتذار، وبقى بايرود وحده فى الصالون.

عبدالناصر وبنى مر فى عام 1956 أنشئت وحدة مجمعة فى قرية بنى مر بمحافظة أسيوط مسقط رأس جمال عبدالناصر واقترح المسئولون إنشاء قرية نموذجية عند مدخل بنى مُر تضم مائة وثمانى فيلات تتوسطها فيلا على أحدث الطرز المعمارية تخصص كاستراحة لرئيس الجمهورية ابن البلدة، أما باقى الفيلات فتخصص لأقارب الرئيس وأهله، ولكن جمال عبدالناصر رفض الفكرة تماما بعد أن وضع حجر الأساس وقال: لو لم أكن رئيسا للجمهورية ما كان ليحدث هذا.. لذلك فأنا لا أقبل شيئا يرتبط بمنصب رئيس الجمهورية..

أنا فخور بأنى واحد من أبناء بنى مُر.. أفخر أكثر وأكثر بأنى واحد من عائلة فقيرة من هذه البلدة. وأفخر بأن عائلتى لاتزال فى بنى مر مثلكم تزرع وتقلع من أجل عزة هذا الوطن وحريته.. إننى أفخر دائما بأننى واحد من أهالى بنى مُر وأفخر أكثر من هذا بأننى من عائلة فقيرة نشأت فى بنى مُر، وأنا أقول هذا لأسجل أن جمال عبدالناصر نشأ من عائلة فقيرة، وأعاهدكم بأن جمال عبدالناصر سيستمر حتى يموت فقيرا فى هذا الوطن.

لا محاباة بل مساواة

فى عام 1957 ظهرت بالقرب من بنى مُر جزيرة مساحتها 140 فدانا من أراضى طرح النهر.. فقام الأهالى ومن بينهم بعض أقارب الرئيس جمال عبدالناصر بزراعتها، وحدث خلاف بينهم وبين باقى أهالى القرية الذين سارعوا بتقديم شكاوى ضدهم، وتدخلت الشرطة للتوفيق بينهم لفض النزاع. لكن الأهالى اتهموا الشرطة بالانحياز إلى صف أقارب الرئيس، وقاموا بإرسال شكاوى وتلغرافات إلى الرئيس كما توجه بعض منهم إلى القاهرة حيث تقدموا بشكواهم إلى سكرتارية الرئيس. وما إن علم الرئيس بالأمر حتى أصدر قرارا جمهوريا بسحب كل أراضى هذه الجزيرة وما فيها من محاصيل زراعية وتوزيعها على المعدمين من أهالى القرية والمسرحين من الخدمة العسكرية فى بنى مُر والقرى المجاورة، وقام بتنفيذ هذا القرار المهندس كمال سرى الدين مدير الإصلاح الزراعى بمحافظة أسيوط فى ذلك الوقت.

وقد علق أحد أبناء القرية على هذه الواقعة بقوله: كان ينصفنا نحن وإن اضطر إلى أن يظلمهم يقصد أقارب الرئيس وكان يفضل أن يتمتع أبناء القرى بمشروعات الثورة قبلنا. نحن لم نشعر أبدا بعد هذا الحادث بأن بيننا أقارب رئيس الجمهورية وأهله، وإنما كنا نشعر بأنهم أخوتنا وجيراننا ورفاقنا فى كل شيء.

عم وابن عم الرئيس فى قصر الطاهرة

يروى الحاج عطية حسين خليل، عم الرئيس جمال عبدالناصر الحكاية التالية: كان لى ابن فى المدرسة الثانوية بأسيوط اسمه حسين، ولم يسبق له أن رأى ابن عمه الرئيس جمال عبدالناصر من قبل، وفى يوم قال لي: لابد أن أرى ابن عمى وأقعد اتكلم معاه. فقلت له: يا حسين يا ابنى ده مشاغله كثيرة وموش فاضى لنا.

فرد حسين: مهما كانت سوف أسافر إلى القاهرة وأصر على مقابلته. ويستطرد دعم الرئيس اضطررت للسفر معه إلى القاهرة وسألنا وتوجهنا إلى منشية البكرى وكان فى هذا الوقت الرئيس يقيم بصفة مؤقتة فى قصر الطاهرة بمنطقة القبة إلى حين الانتهاء من إجراء بعض الإصلاحات فى منزله بمنشية البكرى، رحنا إلى هذا القصر واستوقفنا الحرس والأمن، وبعد الاتصال بالسكرتارية والتأكد من شخصيتنا سمح لنا بالدخول حيث استقبلنا السيد محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس والذى أدخلنا إلى غرفة انتظار وقال لنا:

معلهش ستنتظر شوية لأن الرئيس بيستقبل الآن رئيس وزراء الأردن. ويقول الحاج عطية: لم أصدق حتى هذه اللحظة أننى سأقابل ابن أخى فى هذا المكان، ولم يكن ابنى حسين أقل منى دهشة.. ولم نلبث كثيرا حتى حسيت إن فيه يد توضع على كتفى من الخلف.. ونظرت فوجدت الرئيس بنفسه جاء إلينا حتى غرفة الانتظار وتعانقنا وقدمت له ابنى حسين.. ابن عمه، فقبّله وسألنا عن أخبار العائلة، وعندما طمأنته بدأ يسأل حسين عن دراسته..

فقال له حسين: يا سيادة الرئيس أنا بامشى كل يوم على رجلى ثلاثة كيلو مترات من البلدة حتى أسيوط حيث مدرستى وأذاكر على لمبة جاز، فكيف هذا وأنا ابن عم رئيس الجمهورية؟!. فقال له الرئيس: يا حسين.. الظروف اللى بتتكلم عنها أحسن حالا بكثير من اللى عشته أنا وعمك الحاج عبدالناصر.. أنا كنت مثلا باذاكر على نور مصباح الغاز.. وربما نور أقل من اللى بتذاكر أنت عليه دلوقت.. وبتقول إنك بتمشى ثلاثة كيلو متر.. أنا مشيتها قبلك مرارا.. ولم يكن عندى وسيلة أخرى غير المشى، فلابد من أن تكد وتتعب حتى تستريح فى النهاية. وهى دى قيمة الكفاح، موش مهم يكون والدك غنيا يوفر لك كل أسباب الراحة وإنما المهم أن تحقق كل آمالك بمجهودك وعرقتك وكدّك.

لاحظ الرئيس أثناء الحديث أن حسين يحلق ببصره فى أنحاء الغرفة الكبيرة وقد أخذته الدهشة، فقال عبدالناصر: إنت دلوقتى يا حسين بتنظر حولك فى دهشة واستغراب؛ إن ما تراه أمامك ليس ملكى.. إنه ملك لمنصب رئيس الجمهورية، والمنصب ده أنا باشغله دلوقت وبكره حاييجى واحد ثانى من بعدى يشغله وهكذا.. أنا يا حسين لا أملك حتى الكرسى اللى قاعد عليه الآن.

حوار مع مصطفى أمين

قرأ الرئيس جمال عبدالناصر جريدة الأخبار وطوى صفحاتها ثم أخذ يفكر، ولكنه لم يطل تفكيره حيث امتدت يده ليدير قرص التليفون طالبا مصطفى أمين ودار الحديث التالي:

- يا مصطفى هل قرأت الصفحة الأخيرة؟

-- أيوه يا سيادة الرئيس.. هل تقصد سيادتك صورة الوالد؟

- فقال الرئيس جمال عبدالناصر بلهجة حازمة:

- أنا ما بأحبش أن تنشر أخبار والدى أو صور عائلتى بين الناس، يا مصطفى أنا عايز أبى واخوتى وعائلتى تعيش مثلهم مثل باقى الناس العاديين.. وأنا ما أحبش أن يفسدهم منصبى!. إنسان فقير

كانت الطالبتان هدى جمال عبدالناصر ومنى جمال عبدالناصر مدعوتين لحضور حفل عيد ميلاد لصديقة لهما وطلبت الأختان شراء فساتين جديدة حتى لا تذهبا إلى الحفلة بنفس الفساتين حتى التى ذهبتا بها إلى حفلات سابقة كانت تضم نفس الصديقات، لكن عبدالناصر الأب قال لهما إن عائلتهما ليست عائلة غنية بحيث تلبسان فى كل حفلة فستانا جديدا وأن والدهما إنسان فقير.

وفى اليوم التالى كلف عبدالناصر الأخ محمد أحمد أن يصطحب بناته وأبناءه جميعا إلى أحد الأحياء الشعبية فى القاهرة، ولم يعرفوا السبب من تلك الرحلة إلا بعد أن وصلوا إلى أحد البيوت القديمة فأشار إليه محمد أحمد قائلا: ده البيت اللى عاش فيه الرئيس وهو تلميذ صغير.

أنور السادات وجمال عبدالناصر وقيادة الثورة

فى كتابه قصة الثورة كاملة 1954 سلسلة كتاب الهلال، يقول أنور السادات: لنأخذ مسألة قيادة هذه الثورة على سبيل المثال، فنحن لا نعلم فيما نعلم من تاريخ الثورات فى هذا القرن، أو فيما سبق من قرون.. أن قائد ثورة من تلك الثورات يتنازل عن مركزه كقائد، بمحض إرادته ليدفع برجل آخر إلى القيادة، ولا يكتفى بذلك بل يخدم تحت إمرة هذا الذى دفعه، جنديا شريفا مخلصا. إن ما نعلم من تاريخ الثورات هو عكس ذلك على خط مستقيم فقد كان قواد الثورات ولايزالون، يخلون لأنفسهم الطريق بالقتل والاغتيال والإرهاب.

فالتاريخ يقرر مثلا أن من عيوب مصطفى كمال أتاتورك المشهورة هو أنه لم يبق على زميل أو صديق عاونه إلا قتله، والتاريخ يذكر أيضا حمام الدم الذى خاضه هتلر بنفسه وبيده، و موسولينى لم يمتنع عن القتل إلا حين قُتل.

أما فى ثورة يوليو 1952، فإننا نرى جمال عبدالناصر الرئيس المنتخب للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار سنتين متتاليتين يسعى قبل قيام الثورة إلى اقناع الهيئة بضرورة تنصيب قائد للثورة من خارج الهيئة، لظروف واعتبارات أنه أجدر من يقوم بها، سواء من جهة نظر الهيئة التأسيسية التى انتخبته رئيسا أو من وجهة نظر الجيش كله. ويقول السادات.. وعندما عبرت لجمال عبدالناصر عن تخوفى الشديد من استلام محمد نجيب وهو رجل غريب، لقيادة ثورة لم تبدأ بعد..

قال لي: يجب أن تحسب حساب النفس البشرية..

ولم أفهم أول الأمر، ولكن جمال عبدالناصر لم يلبث أن استطرد قائلا:

نحن جميعا فى الهيئة التأسيسية للثورة زملاء وفى سن واحدة ورتبنا تكاد تكون واحدة.. والذى جمعنا فى هذا العمل هو الصداقة، ثم الأخوة والمحبة اللتان ولدتا الثقة، بدليل أننا نجتمع ليل نهار ولا يحس بنا أحد، وأخشى ما أخشاه أننا إذا جعلنا قيادة الثورة فينا أن يفتح هذا الأمر ثغرة فى نفس واحد منا.. ونحن بشر والنفس البشرية مليئة بالانفعالات، وأنا لا أريد أن يكون مستقبل الوطن معلقا على الانفعالات، بل لا أريد أن أفرض احتمالا واحدا فينا، لأن المسئولية مسئولية شعب، وبالثقة والمحبة نستطيع أن نحقق المستحيل.

لحظة تحول تصدى وتحدي

صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر اليوم الثانى من نوفمبر 1956 خطب الرئيس جمال عبدالناصر فى جماهير المصلين واستمع له شعب مصر فى القاهرة الكبرى من إذاعة خاصة أقيمت على عجل فى سكرتارية الرئيس للمعلومات فى مبنى مجلس الوزراء بعد قصف مرسلات الإذاعة المصرية فى أبى زعيل وقال الرئيس:

حانحارب.. حانحارب...

عبدالناصر والبروتوكول الغربي

منذ قيام ثورة يوليو 52 ظل جمال عبدالناصر يرتدى الزى العسكرى المعروف وقتها لضباط الجيش المصرى، وهو زى كان يستمد خطوطه من الزى العسكرى البريطانى الكاكى والحذاء البنى.

وظل عبدالناصر لسنوات مفضلا الظهور بهذا الزى الخشن حتى فى المناسبات الرسمية وفى الحفلات التى كانت تلزم ارتداء ملابس أخرى لها مواصفات معروفة وبالذات فى المجتمعات الغربية. وعندما زار أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا القاهرة يوم 20 فبراير 1955 أقيم حفل عشاء فى السفارة البريطانية دعى عبدالناصر لحضوره، وكان المفروض أن يكون الحضور بالملابس الرسمية أى الإسموكينج ولم يكن عبدالناصر يملك هذه البدلة الإسموكينج ولا ارتداها من قبل ولذا فقد قرر أن يتوجه إلى الغذاء بالملابس العسكرية التى تعود الظهور بها، كما طلب إلى أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين دعوا للحفل أن يرتدوا كذلك هذه الملابس العسكرية، وقد حضر مع عبدالناصر عبداللطيف البغدادى وعبدالحكيم عامر وزكريا محيى الدين والدكتور محمود فوزى الذى ارتدى بدلة رمادية غامقة اللون.

صام الرئيس وهو على سفر

أثناء انعقاد مؤتمر باندونج سنة 1956 كان الجو حارا جدا والمجهود الذى يبذل ليس بالبسيط كما كان فى ظهر رمضان، وقد نادى البعض من الحضور بجواز الإفطار باعتبار أنهم على سفر مما يبيح استخدام الرخصة الشرعية، وعندما طلبوا إلى الرئيس جمال عبدالناصر أن يفطر رفض، واستدعى الشيخ أحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف وعضو الوفد المصرى وسأله الرئيس رأيه، فأفتى بجواز الإفطار وقال ما معناه إن الله يحب العبد الذى يستخدم رخصه، إلا أن الرئيس قال للحضور وأعضاء الوفد إنه لن يفطر بل سيستمر فى صيامه مهما كانت المتاعب. ولما سأله الشيخ الباقوري: لماذا يا ريس؟

قال عبدالناصر: يا شيخ أحمد كيف يفطر رئيس مصر بلد الأزهر الشريف وهناك عشرات من الرؤساء الأفارقة والآسيويين معنا ليل نهار ويزوروننا طوال الوقت.. ماذا يقولون عنا إذا شافونا مفطرين فى شهر الصيام، ثم ماذا سيقولون لشعوبهم عندما يعودون إلى بلادهم؟ هل تقبلون أن يقولوا إننا تركنا عبدالناصر رئيس مصر بلد الأزهر ورجاله مفطرين فى شهر رمضان فى إندونيسيا؟!.

زيارة خروشوف

عندما زار خروشوف القاهرة أضاف جمال عبدالناصر بخط يده على برنامج الزيارة ضرورة زيارته للمتحف الإسلامى..

ادخلوا من أبواب متفرقة

كان جمال عبدالناصر يتصدر سرادق العزاء الذى أقيم بميدان التحرير لتقبل العزاء فى وفاة المرحوم صلاح سالم، وتصادف أننا كنا فى اجتماع فى مكتبى وتأخرنا عن اللحاق بركب الرئيس، ولما دخلنا سويا شعراوى جمعة وأمين هويدى وأنا من مدخل السرادق، نظر الرئيس إلى نظرة ذات معنى تفيد أن هناك شيئا ما.. ولما عدنا إلى المكتب طلبنى على الخط الساخن وقال لي: هو أنت يا أستاذ مش بتقرأ القرآن؟ قلت: أيوه يا افندم.. بس ليه السؤال؟ قال: اقرأ فى سورة يوسف ادخلوا من أبواب متفرقة.. فهمت أنا أقصد إيه؟! هو انتم ناقصين علشان تدخلوا انتوا الثلاثة مع بعض فى وقت واحد من باب واحد؟

غير قابل للاستقطاب

بعد الثورة عرض الملونير المعروف عبداللطيف أبور جيلة على والد جمال عبدالناصر أن يعينه براتب كبير عضوا فى مجلس إدارة إحدى شركاته للأتوبيس، ولما علم عبدالناصر بهذا العرض قال لوالده: يا والدى دول عايزينك عضو مجلس إدارة.. إزاى وأنت راجل بتاع بوستة وتلغراف؟! دول عايزين يشترونى من خلالك.. ورفض الرئيس هذا العرض كما رفضه الحاج عبدالناصر حسين..

أحاديث ومواقف شخصية مع العائلة

قال جمال عبدالناصر لشقيقه شوقي: أنا ماعنديش مانع ان مستواكم المادى ينمو ويتحسن بس مع نمو المستوى الاقتصادى للبلد كلها، وبشرط أن تعتمدوا على أنفسكم.. يعنى الناس كلها مستواها ينمو وأنتم كمان مستواكم يتحسن علشان انتم مش مميزين عن بقية الناس.. وبصراحة شديدة لو حد منكم فكر إنه يستغل اسمى أنا مش حا أرحمه.

وفى حضور الحاج عبدالناصر وجميع الأخوة وحديث عن المصاهرة والزواج للعائلة قال لهم عبدالناصر: أنا ماعنديش مانع تناسبوا أى شخص بس بشرط ما يكونش إقطاعى ولا مفروض عليه الحراسة ولا من الأسماء الرنانة.. دى محظورات ثلاثة أرجوكم أن تفهموها كويس. فى العام 1968 قررت العائلة إتمام زواج الأخت غير الشقيقة لجمال عبدالناصر، وقد حضروا إلى منشية البكرى لإبلاغه بالموعد المقترح ودعوته للمشاركة فى هذه المناسبة، فكان رد الرئيس: مبروك على هذه الزيجة..بس أنا مش حأقدر أحضر الحفل فى الوقت اللى فيه شهيد فى كل بيت مصرى، وطلب منهم أن يكون الفرح فى أضيق نطاق.

وأذكر أن الفرح أقيم فى القناطر الخيرية بعيدا عن القاهرة نسبيا. الحاج عبدالناصر حسين، والد جمال عبدالناصر كان يستخدم المواصلات العادية فى تنقلاته حتى العام 1958 حيث اشترى له الرئيس سيارة نصر 1300 صغيرة بالتقسيط. العم سلطان.. العم الأكبر للرئيس جمال عبدالناصر لم يتقاض معاشا إلا سنة 1972 وكان قدره 16.673 جنيه ستة عشر جنيها وستمائة وثلاثة وسبعون مليما .......

بقلم سامى شرف - مقتطف من أحدث كتبه: سنوات وأيام مع أيام جمال عبد الناصر

..............."

إنتهى نقل هذا الجزء

يحى الشاعر

- يتبع -


Graphic by Martin

Back to Index & proceed
الــــرجوع الى الفهـــرس للمتابعة والمواصلة

You are my today's

Web guest

Thank you for your visit






© 2007 Yahia Al Shaer. All rights reserved.

This web site is maintained by

ICCT, International Computer Consulting & Training, Germany, US