Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf

سـنوات وأيام مع جمال عبدالناصر

ـ الكـتاب الـثانى ـ

ـ الباب الثالث ـ 

بقلم

سامى شرف

 

Gamal Abdel Nasser ..The Story and Myth by Samy Sharaf

صنع القرار فى تجربة عبدالناصر

تقديم

    ـ 1 ـ

     فى هذه المرحلة من شهادتى سوف أخرج عن نطاق السيرة الذاتية ومشاهدها المتتابعة حتى تولى مهمة سكرتير المعلومات إلى تناول بعض المواقف فى نظام عبد الناصر على مدى ثمانية عشر عاما أمضيتها بالقرب منه ، ومدخلى إليها أيضا هو موقعى كسكرتير للرئيس للمعلومات حيث بدأت هذه المهمة كوسيلة لتهيئة الظروف الملائمة لعمل رئيس الجمهورية ، وتسهيل خطوط اتصاله الرأسية والأفقية والعرضية ، وانتهت كما أشرت إلى تحويلها إلى وزارة للدولة ، وعلى مدى سنوات العمل الطويلة كانت سكرتارية الرئيس للمعلومات تمثل جزءا مهما من عملية صنع القرار فى نظام عبد الناصر ، ولم تكن مجرد أداة للتنسيق بين المستويات والمؤسسات المختلفة التى يقوم عليها النظام .

    لقد أصبحت عملية صنع القرار داخل أى نظام سياسى عنصرا حاسما فى استمرارية هذا النظام واكتسابه شرعية وجوده وضبط مسيرته فى الداخل والخارج ، ذلك أن آلية صنع القرار تمثل مؤشرا صادقا لمكونات هذا النظام وعوامل استقراره .

    وعندما نتعرض لعملية صنع واتخاذ القرار فى إطار نظام ثورى كالذى أرست دعائمه ثورة 23يوليو1952 ، فلابد أن نتناول عملية صنع القرارات وفقا لمعايير تختلف نسبيا عن تلك التى تقدمها النظريات الأكاديمية التقليدية فى تحليل وصنع واتخاذ القرارات والتى تستمد مضامينها فى الغالب من تجارب الدول المتقدمة ، ذلك أن هذه النظريات التى أخذت فى التبلور خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، وفى أعقاب نظم سياسية تخالف النظم الليبرالية الغربية وأعنى بها نظم اشتراكية غالبا ما تسقط من حساباتها عند التعرض لدول صغيرة فى العالم الثالث الظروف المحلية والمكون الثقافى والاجتماعى الذى يعطى المجموعة الأخيرة خصوصية مميزة ، والمعارك الشرسة التى واجهتها هذه النظم على الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية ، ومن ثم تحدث الفجوة بين الفترة التاريخية لصنع القرار ، وبين مرحلة تقييمه حيث يجرى قياس نتائج القرار وفقا لظروف تاريخية مغايرة تماما لتلك التى صاحبت صنع واتخاذ القرار فى حينه .

    لقد خاضت مصر تجربة ليبرالية فى الحكم امتدت حوالى ثلاث عقود زمنية ( 1922-1952) ، تعرضت لها لمواقف صعبة ، ووفقا لقياسات المشروعية السياسية فلم تكن النخبة السياسية المتحكمة فى صنع واتخاذ القرار على مدى هذه العقود الثلاثة تعبر بصدق عن مصالح المجتمع ككل نتيجة للفجوة الضخمة التى كانت تفصلها عن الأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع ، ومن ثم فلم تسفر هذه التجربة الليبرالية عن قرارات كبرى تذكر يمكن رصدها تاريخيا لصالح المجتمع المصرى ككل ، بل إن غالبية القرارات كانت تخضع لمشيئة المستعمر والنخبة الحاكمة ذات المصلحة .

    وعندما قامت ثورة 23يوليو1952 قدمت نخبة حاكمة مختلفة جذريا عن النخبة السابقة ، فلقد كانت الأغلبية الساحقة من قياداتها تنتمى إلى الطبقة الوسطى ، بل والجزء الأفقر من الطبقة الوسطى ، وكانوا على وعى كامل بطبيعة هذه الفجوة التى فصلت بين النخبة السابقة وبين طموحات المجتمع ككل ، كما كانوا يملكون قدرا عاليا من وضوح الرؤية لحقيقة الأهداف القريبة والبعيدة التى تحركوا من أجلها ولم يكن لديهم أو لدى أغلبهم على الأقل ما يخشون عليه ، ومن ثم فقد اتسمت قراراتهم بالإيجابية والجرأة ، ولا أقول بالمغامرة وكان أكثر ما يميز قرارات الثورة هو هذا القدر الكبير من المصداقية مع النفس ومع الجذور الاجتماعية التى جاءوا منها .

    والباحثين فى تحليل الطبقة الوسطى يرون أنها يمكن أن تفرز نوعين من الساسة يعمل النوع الأول منهما على تأكيد انتمائه للطبقات الفقيرة ويعمل على الارتقاء بها وتحسين وضعيتها فى المجتمع ، بينما يتطلع النوع الثانى إلى الالتحاق بالطبقات العليا يتشبه بها ، ويسعى إلى العيش معيشتها ومن ثم ينفصل تدريجيا عن جذوره الأصلية .

    ومن حسن الحظ أن جمال عبد الناصر كان ينتمى للنوع الأول ، الذى كان يؤكد فى كل مناسبة على انتمائه لجموع الفقراء وسعيه للانتصار لهم . ولو أن عبد الناصر حرر بنفسه مذكراته لقدم للقارىْ شروحا تفصيلية عن الخلفيات الفكرية أو السياسية التى كانت وراء كل قراراته سواء فى فترة التحضير للثورة أو بعد نجاحها وتحولها إلى نظام سياسى مارس دورا تاريخيا فى التحولات السياسية والاجتماعية فى مصر والأمة العربية ، هذا برغم أنه كثيرا ما كان يدون فى يومياته ما يعن له من خواطر أو استنتاجات أو شروح لبعض القرارات ـ راجع الملحق الوثائقى ـ لنرى كيف كان يكتب بخط يده مثل هذه الأمور ـ وفى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى الكثير من هذه الوثائق أيضا .

    وإلى أن يتاح للمؤرخين والباحثين فرصة الإطلاع على مجمل هذه الوثائق فإنى أجد لزاما علىّ وعلى كل من رافق الرجل وخصوصا أنى كنت معايشا له على مدى الأربع والعشرين ساعة طوال ثمانية عشر عاما ، أن نرصد ما رأيناه بأعيننا وما سمعناه بآذاننا من حوارات وتواصلنا واتصالاتنا معه ومع معاونيه وزملائه ومع كل مؤسسات الدولة على تعددها وآلاف الشخصيات المصرية والعربية والأجنبية التى تعاملت مع عبد الناصر ومع مصر طوال هذه الفترة ، إذ لا يسعنا إلا أن نضع تحت أنظار القارئ ، وخصوصا شباب مصر و الأمة العربية كل ما لدينا من معلومات ووثائق وحقائق . . ورغم ذلك كله فلا أستطيع أن أنفى أنه ما زالت هناك علامات استفهام حول بعض القرارات التى تعددت حولها التحليلات والتفسيرات دون أن تصل إلى إجابة شافية خاصة تلك القرارات التى تتعلق بأشخاص مثل عبد الحكيم عامر وأنور السادات وحسن التهامى وغيرهم والتى حاولت فى فصول أخرى من هذه المذكرات أن أقدم تفسيراتى الذاتية حولها .

    وحتى تتضح أبعاد عملية صنع القرار فى نظام عبد الناصر فلابد أن أتناولها من خلال مداخل ثلاث رئيسية :

    الأول هى المرجعية الفكرية التى تحكمت فى كل قرارات عبد الناصر وبالتالى فى كل المشاركين فى عملية صنع القرار فى الدولة .

    الثانى هو أسلوب عبد الناصر فى اختيار معاونيه ، وهل كانوا مجرد أتباع ينفذون ما يفكر فيه أم مصادر إثراء للنظام ككل .

  الثالث هو آليات وهياكل صنع القرار فى عهد عبد الناصر .  

     ـ أولا ـ

 فلسفة عبد الناصر فى صنع واتخاذ القرار  

     كانت فلسفة عبد الناصر فى صنع واتخاذ القرار تنبع من جذوره الاجتماعية وخلفياته الفكرية السياسية. ولقد أفاض فى شرح هذين العنصرين ومدى تأثيرهما فى تشكيل فكره السياسى فى عديد من الكتابات والمناسبات سواء فى كتابه " فلسفة الثورة " الذى أصدره فى عام 1953 ، أو فى تصريحاته الصحفية وخطبه ولقاءاته مع الجماهير بل وفى لقاءاته الرسمية مع بعض المسئولين الأجانب ، علاوة على خطاباته إلى بعض أصدقائه فى فترة مبكرة من حياته وشبابه .

    ومن خلال هذه الجذور الاجتماعية والخلفيات الفكرية والسياسية أمكن لجمال عبد الناصر أن يبلور نسقا كاملا منسجما فى كل مفرداته معبرا عن الزعامة الوطنية ورجل الدولة الذى قدمه جمال عبد الناصر كما بدا هذا التأثير واضحا فى بناء آليات صنع القرار واختيار المعاونين ومراجعة النتائج أولا بأول .

    ففى حديث أدلى به الرئيس جمال عبد الناصر لصحيفة " الصنداى تايمز " فى يونيو1962 أجراه معه مراسلها فى القاهرة " دافيد مورجان " ، قال جمال عبد الناصر :

    " إننى الابن الأكبر لأسرة مصرية من الطبقة المتوسطة الصغيرة ، وكان أبى موظفا صغيرا فى مصلحة البريد ، يبلغ مرتبه الشهرى حوالى العشرين جنيها ، وهو مرتب يكفى بصعوبة لسد ضروريات الحياة ، لقد ولدت بالإسكندرية لكن ذكرياتى الأولى تدور حول قرية الخطاطبة وهى قرية تقع بين القاهرة والإسكندرية حيث كان أبى يعمل وكيلا للبوستة ، وكنا دائما أسرة سعيدة يحكمها أبى ولكن القوة المحافظة فيها كانت أمى التى كنت أنا واخوتى نتفانى فى حبها . كان أبى قلقا بسبب آرائى السياسية حتى فى أيام التلمذة فقد سجن أخوه فى الحرب العالمية الأولى بتهمة الإثارة السياسية ، ولذا كانت مخاوفه أن يحل بى ما حل بعمّى ـ مخاوف طبيعية ، فلقد كلن أمله أن نحيا جميعا حياة آمنة بعيدة عن المزعجات ، ولكن بعد اشتراكى فى المظاهرة السياسية الأولى دخلت الميدان بكل جوارحى وأصبحت رئيس لجنة لتنظيم المقاومة ، ولا سيما المقاومة الساخطة ، ولقد كان ذلك منفذا لابد منه لعواطفنا الحادة ولشعورنا بالكبت الذى يضغط على وطننا ، وفى النهاية ضاق المسئولين بالمدرسة ذرعا بنشاطى ونبهوا أبى فأرسلنى إلى القاهرة لأعيش مع عمّى والتحقت بمدرسة أخرى هناك" .

    وبتاريخ 12 نوفمبر1964 رد جمال عبد الناصر على بعض الاتهامات التى كانت توجه ضد الثورة خاصة فيما يتعلق بقضية الصراع الطبقى ، فقال فى خطاب موجه للجماهير والمثقفين على السواء :

    " قالوا جمال عبد الناصر عنده حقد طبقى. . . ليه ؟ وإزاى ؟ . . أنا بقيت رئيس جمهورية وموجود كويس، وقاعد كويس . . وعندى عربية كاديلاك . . يبقى حقد طبقى إيه بقى ؟ . . أنا لا أحقد على طبقة معينة ولا على أسماء معينة . . أنا ما أعرفهومش . . وما شوفتهومش . . وماقعدتش معاهم . . ولكن أنا شفت الناس التانيين . . أنا شفت الشعب اللى إحنا كلنا طالعين منه . . شفت العمال الزراعيين وشفت عمال التراحيل وشفت الفلاحين ، شفت العمال السهرانين . . شفت مخلة العيش الناشف والبصل وشفت قدرة "المش" . . . وقدرة " الملوحة " وشفت الرجلين الحافية المشقوقة والعينين الزايغة من الجوع . . شفت عمال التراحيل عريانين ملط لغاية ما يغسل الشوال اللى هو لابسه فى الترعة ، ولغاية ما ينشف الشوال فى الشمس . . طبعا كل واحد من الشعب عرف هذا الكلام . . إن ما نطلبه اليوم هو حق هؤلاء الناس . . حق العمل . . حق الفلاحين . . حق الكادحين والمطحونين .

    ويستطرد جمال عبد الناصر قائلا :

    " هى العين تعلى على الحاجب ؟ ! مين اللى بيقول هذا الكلام . . الإقطاعى ما زال موجود زى ما هوّا . . صاحب الأرض أو صاحب العمل القديم زى ما هوّا ما إتحرّكشى . . إحنا قضينا على الإقطاع فقط، ما عملتش زى غيرنا . . فيه مجتمعات طلعت قضت على الإقطاع وقضت على الإقطاعيين. . إحنا قضينا على الإقطاع لكن الإقطاعيين موجودين كلهم موجودين وبيعرفوا بعض . . ولكن هل هما مبسوطين. . طبعا لأ ، طبعا مش مبسوطين . . اللى أخذت منه فدان أرض أو أكثر لا يمكن أن يكون إلا معاديا للثورة وللاشتراكية . . الإقطاعيين موجودين وبيعرفوا بعض. . موجودين مش فى المتاحف ولا فى المعتقلات . . إحنا طلعنا كل الناس من المعتقلات . . إدينا عفو عام عن الجميع حتى من كانوا منهم متهمين فى تهم شيوعية . . وعفونا عن كل الإخوان المسلمين . . أعطينا كل واحد منهم فرصة ليشترك فى المجتمع الجديد . . لكن الإقطاعيين موجودين والرأسماليين موجودين والإخوان المسلمين موجودين والرجعيين موجودين والشيوعيين موجودين . . كلهم بيعرفوا بعض ، وكلهم ضد الثورة ومنتظرين أى غلطة . . وعندهم السلاح الأساسى وهو الكلام والهمس . . لازم نعرف ما هى قوى الشعب . . ولازم نعرف من هم أعداء الشعب . . وبعد كدة لازم تكون سياستنا واضحة وصريحة تجاه الشعب وتجاه أعداء الشعب ، ثم بعد ذلك الحرية كل الحرية للشعب . . حرية الكلام وحرية النقد وحرية الاجتماع . . كل الحرية ، وسنجد أن الشعب هو مجتمع أل 5ر99% . . وأن أعداء الشعب هم مجتمع النصف فى المائة ، الشعب لازم يأخذ فرصته كاملة . . يغلط ويصلح الغلط . "

    وتحدث عبد الناصر أيضا وبصورة مسهبة عن تجواله على الأحزاب السياسية والتيارات السياسية والوطنية خلال فترة التحضير للثورة ، ومنها حزب مصر الفتاة والإخوان المسلمين والشيوعيين وتأثره بقيادات بعضها فى مقتبل شبابه ومنهم أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة ورفضه الاستجابة لمحاولات حسن البنا زعيم حركة الإخوان المسلمين التى استهدفت اتخاذ حركة الضباط الأحرار كامتداد للإخوان المسلمين فى الجيش ، وأيضا رفضه للشيوعيين فكرا وحركة ، كما أكد عدم انتمائه لأى من هذه التنظيمات سوى مصر الفتاة .

    وأورد هنا مثلا واحدا عن موقف عبد الناصر من الشيوعية ، وهناك العديد من الكتابات التى تناولت علاقاته بالتيارات الأخرى ، كما أننى أوردت قسما مستقلا لموقف عبد الناصر من الإخوان المسلمين وكذلك موقفهم منه ، وذلك نظرا لأهمية هذه القضية . ففى لقاء بين جمال عبد الناصر وويليام راونترى مساعد وزير الخارجية الأمريكى فى 15ديسمبر1958 حضره السفير الأمريكى فى القاهرة ريموند هير ، وقد إستغرق هذا اللقاء حوالى الساعات الثلاث قال عبد الناصر ما نصه :

    " أنه فى مرحلة مبكرة من حياتى العملية اتصلت بالشيوعيين الذين رغبوا فى استخدامى بغية تسللهم إلى مجموعة الضباط الأحرار ، وفى ذلك الحين كنت قد درست جميع الكتب الخاصة بالموضوع ، ولكننى قررت أن الشيوعية ليست عقيدتى وذلك للأسباب الثلاثة التالية :

    أولا : لأنى أعتز بدينى الإسلامى .

    ثانيا : لأنى أكره الأساليب الوحشية .

    وثالثا : لأنى لا أريد أن أرى الشعب المصرى وقد تحرر من عبودية لينتقل إلى عبودية أخرى .

    ثم تحدث عبد الناصر عن الحد الفاصل فى نزاعه مع محمد نجيب عندما تظاهر الشيوعيون ضده (ضد عبد الناصر ) ، وبدوا كأنهم على وشك الاستيلاء على القاهرة ، فلو اغتنم نجيب الموقف لكان بإمكانه أن يتخلص منه آنذاك ، ولكن عبد الناصر تفادى حدوث أزمة بإٌقناع نجيب بأنه إذا عمد إلى تصفية عبد الناصر ، فسيكون هو التالى على قائمة التصفيات الشيوعية بعد ذلك . " .

    وفى نفس اللقاء يؤكد عبد الناصر على عدة مبادئ جوهرية تشكل أساس سياساته حيث يقول :

    " أنه ـ برغم ما يمكن أن يقوله البعض ـ فأنا متمسك بمبادئ أساسية معينة منذ أن توليت مسئولية السلطة فى نظام الحكم الجديد ، من الناحية الجوهرية فهناك ثلاث مبادئ : الإستقلال والكرامة والقومية العربية ، وإن الإستقلال هو الأمر الأساسى فى رغبة الشعب فى معيشة أفضل ، مقارنة مع مستويات المعيشة فى البلدان الأكثر تقدما ، وهذا يعنى التأكيد على التنمية الشاملة . " .

    ثم تحدث عن القومية العربية وأوضح بأن فكرة الوحدة العربية لا يفهم منها بالضرورة الاتحاد السياسى بين كل الدول العربية ، هذا الاتحاد يمكن حدوثه عندما يكون هناك إجماع فى آراء الشعوب المعنية، ولكنه ليس جوهريا ، والأمر الجوهرى هو أن يكون هناك تضامن عربى .

    واستطرد عبد الناصر مؤكدا على حذره من الشيوعية خاصة إذا تمكنت من السيطرة على قطر عربى حيث ستتخذه قاعدة انطلاق إلى أقطار أخرى ومن ثم فهو يرى ضرورة التصدى لأى محاولة للهيمنة الشيوعية ، وكان المقصود فى ذلك الوقت هو الحيلولة دون تسللها إلى العراق والسيطرة على الحكم هناك . وقال عبد الناصر : " أنه إذا تمكن الشيوعيون من السيطرة على العراق فإنهم سيتحركون إلى سوريا والأردن وبالتالى إلى مصر ، وستكون النتيجة أن كل ما بنيناه ، وما نحن عازمون على بنائه سيقع فى أيدى الشيوعيين . " .

    واستطرد قائلا : " إن التجارب علمتنى كيف أتعامل مع الشيوعيين بوصفهم مشكلة داخلية ، أما التعامل معهم فى بلد آخر فمسألة مختلفة تماما . " .

    ( نص محضر هذا اللقاء محفوظ فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرى ـ وما حررته هنا هو من واقع ما كتبته فى النوتة الخاصة بى . ) .

    وفى 4فبراير1967 خلال لقاء عقد بين عبد الناصر وعبد الرحمن عارف رئيس العراق ، أورد عبد الناصر تحليلا لمواقف كل من الإخوان المسلمين والشيوعيين نعرض له من واقع محضر الاجتماع حيث قال : " أن هناك حقيقة أن الشيوعية أفلست ومشكلة الشيوعيين العرب أنهم لا يعرفون ذلك حتى الآن ، وربما لا يريدون أن يعرفوا ، ولذلك فهم يكتفون بترديد مقولات قديمة فات عليها الزمن ، وإننى أرجو الأخ عبد الرحمن عارف أن يسأل الرئيس أحمد سيكوتورى عما قاله لى فى آخر مرة قابلنى فيها هنا فى القاهرة وعقدنا اجتماعا غير رسمى فى بيتى وفوجئت به يقول لى أثناء الحديث وهو يمسح دموعه " أخى ناصر إن الماركسية أفلست تماما وتحجّر الفكر الذى تصورته أنا ـ سيكوتورى ـ فى يوم من الأيام مفتاحا لكل باب !"

    أما عن الإخوان المسلمين فلديهم فكر له أساس نشترك فيه جميعا وهو أساس ضارب فى أعماق كل منا . . ومشكلتهم أنهم يريدون تحويل هذا الفكر إلى أداة تصل بهم إلى السلطة ، وهذه عقدة خطيرة لأنها تدفع إلى ساحة الصراع بقوى تتوهم أنها تملك سلطان على الحياة والموت . ونحن نضطر إلى اعتقال كثيرين من هؤلاء وهؤلاء ، لكن الاعتقال ليس حلا ، وإنما هو عملية تحديد ضرر حتى نعطى الفرصة للمجتمع ليقوم بترسيخ أفكاره بعيدا عن ضغط أيديولوجيات متحجرة أو تعصب ينتج عنه آثار خطيرة . والغريب أن الإخوان المسلمين يتهموننا بالشيوعية فى الوقت الذى نرى فيه نحن أن الدين ركيزة أساسية من ركائز الثورة ، وفى الوقت نفسه فإن الشيوعيين يتهموننا باليمين لسبب أساسى فى رأيهم وهو أننا نرفض ديكتاتورية البروليتاريا ."

    ( نص محضر هذا اللقاء محفوظ فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرىـ وما أوردته هنا هو من واقع ما حررته فى النوتة الخاصة بى ) .

    وإذا ما تركت نفسى للبحث فى المكون السياسى والاجتماعى لجمال عبد الناصر ورجال يوليو52 ودوره قى بناء عملية صنع القرارات التى صدرت حتى 28سبتمبر1970 ، فلن أجد فرصة للخروج من هذه النقطة وربما بقيت حبيسا لهذا الفصل حتى النهاية ، ولكننى فقط أود أن أحيل القارئ الكريم إلى فصل آخر هو " عبد الناصر الرجل و الإنسان " ومجموعة الخطابات والوقائع التى أوردتها ، والتى تعبّر بصدق عن هذا المكون الفكرى والسياسى والاجتماعى وكل ما يمكن أن نخلص إليه من دراسة فلسفة عبد الناصر فى صنع واتخاذ القرارات ، هو التأكيد على مجموعة من العناصر التى شكلت معا " نسق القيم " الذى ارتكز عليه منهج عبد الناصر السياسى وهى :

    أولا : الإستقلال ورفض التبعية ولكنهما فى الوقت نفسه لا يشكلان هدفا أو غاية فى حد ذاتهما بقدر ما يعتبران وسيلة للتنمية الاجتماعية والرفاهية للشعب .

    ثانيا : الانحياز الكامل للفقراء وللأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع دون أن يعنى ذلك عداء شخصيا لأى من الأفراد أو الطبقات داخل المجتمع .

    ثالثا : الواقعية والتفكير العملى فى تناول كل المسائل والمشكلات الصعبة ، فلم يسع عبد الناصر للاصطدام بأى من القوى الداخلية أو الخارجية ، بل كان يعمل باستمرار على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل القوى لصالح الأهداف التى حددتها الثورة للنهوض بالمجتمع المصرى دون أن يتنازل عن مبادئ الإستقلال والكرامة والوطنية والقومية .

    رابعا : احتلت قيمة " العروبة " موقعا متميزا فى نظام القيم الذى تبناه عبد الناصر وثوار يوليو ، ولم يكن تبنّيهم لهذه القيمة أمرا طارئا تفجر بعد قيام الثورة ، بل إن السنوات التى سبقت قيام الثورة ورصدها عبد الناصر فى كتابه " فلسفة الثورة " أكدت على اقتناعهم جميعا بأن مصر لا يمكن أن تحيا بدون العرب ، وأن العرب بدون مصر لا يمكن أن يحققوا أى إنجاز .

    خامسا : لم تكن السلطة لدى عبد الناصر فى يوم من الأيام وسيلة لكسب الامتيازات أو التحكم فى رقاب البشر ، بل هى أداة للخدمة الوطنية والتضحية وبذل كل ما يمكن من جهد وعرق فى سبيل رفاهية المجتمع 000 ومن يرغب فى حصر ثروة عبد الناصر ومصادر دخله يوم رحيله سوف يدرك ما تكتسبه هذه النقطة من مصداقية .

    ـ ثانيا ـ

    كيف كان عبد الناصر يختار معاونيه

    ـ 1 ـ

    حددت فلسفة عبد الناصر وتكوينه الاجتماعى والفكرى نوعية القرارات التى يمكن أن تتخذ فى إطار مبادئ الثورة ، وتحدد طبيعة المهمة فى كل مرحلة نوعية الأشخاص الذين يمكن أن يلعبوا دورا فى تحقيق المهمة ، ولقد كان أبرز ما يميز عبد الناصر فى صنع القرارات هو تحديد الهدف بوضوح لكل مرحلة وبالتالى اختيار العناصر الملائمة للمرحلة والقادرين على تنفيذ الهدف ، ولقد تدرجت هذه العملية على مدى تاريخ الثورة كله .

    ففى فترة التحضير للثورة كان على عبد الناصر أن يركز على الأهداف العامة التى يمكن أن تجمع كل الاتجاهات الوطنية حولها من منظور سياسى ، وتأجيل المنظور الاجتماعى إلى مرحلة لاحقة لما يمكن أن يثيره من تباينات بين العناصر القائمة بعملية التغيير السياسى .

    وكان أهم العناصر التى ارتكز عليها عمل عبد الناصر فى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار هو استقلالية هذا التنظيم عن أى تيار سياسى أو أيديولوجى كان موجودا على الساحة المصرية فى تلك الفترة مهما كانت درجة قوة أو شعبية هذا التيار ، واتجه فكر عبد الناصر إلى اختيار عناصر يثق فى وطنيتها وقدرتها على مواجهة المخاطر التى تحيط بتنفيذ الثورة وتأمينها ضد أية تحركات مضادة من الداخل أو من الخارج .

    ولقد عبر عبد الناصر عن هذه الفكرة فى مناسبات ثلاثة مهمة :

    كانت المناسبة الأولى فى حوار أجراه مندوب جريدة " سكوتسمان " البريطانية فى بداية الثورة مع عبد الناصر وقد وجه المراسل إليه سؤالا نصه :

    " كيف وأنت بهذه التركيبة المتناقضة الغريبة حققت هذا النجاح يوم 23يوليو1952 ، وأنت تعلم ـ وأنت رجل مثالى وقائد للثورة ـ أنه لا أحد يستطيع أن يقول فيك شىء 000 أنك لم تقم بالثورة مستعينا بعناصر 000 ـ ولم يشأ المراسل أن يكمل السؤال ـ وفهم عبد الناصر ما يريد أن يقوله ، فأجابه بقوله :

    " أولا ، لكى تحدث تغييرا يجب أن تستخدم أشخاصا يتسمون بالجرأة والرغبة فى المغامرة ، وليس كل إنسان ذو قيم بقادر على المغامرة .. أحيانا الإنسان ذو القيم والأخلاق عندما يجد رقبته تحت حد السيف غالبا ما يفكر أو يراجع نفسه ، وليس معنى ذلك أن أستبعده أو أصفه بالخيانة أو الجبن 00 فأنت أولا وأخيرا تتعامل مع بشر من لحم ودم وليسوا من حديد أو جماد .. هؤلاء البشر يملكون العقل ومنهم من يحسن رصد خطواته أو يتردد ، ومنهم من يلعب " الكوتشينة " وآخرون لا يقتربون منها .. تلك هى طبيعة البشر .. فيها السلبى وفيها الإيجابى .. ولكن لكى تحدث تغييرا بهذا الحجم ، وإذا كان هذا التغيير مسلحا فأنت تحتاج بالدرجة الأولى إلى تشكيل جبهة سياسية تتجمع فى داخلها كل هذه العناصر وهذه النوعيات .

    وثانيا ، أنت فى حاجة لكى تجمع كل هذه العناصر التى تؤمن أو توافق على التغيير ، عليك أن تبذل جهدا لاستقطابها إلى صفك رغم ما قد يكون بينها من تناقضات حتى تضمن النجاح للجبهة كلها ، ، ولعلمك فقد كانت توجد داخل هذه الجبهة عناصر مدنية مثل أحمد فؤاد الذى كان يعمل قاضيا وحامد معيط الذى كان يعمل مهندسا فى السكك الحديدية وكلاهما كانت له صلات مباشرة بالضباط الأحرار .

    وثالثا ، لابد أن تأخذ فى الاعتبار أن التغيير المنشود قد يحتمل النجاح ويحتمل الفشل ، فإذا فشلت العملية فلماذا تعرض عددا أكبر للخطر .. يكون علىّ فى هذه الحالة أن أترك بعض العناصر الصالحة للمستقبل ، عسى أن يتمكنوا من استكمال المسيرة فى المستقبل إذا ما تعثرت . ولعلمك فإن عددا ليس قليلا من رجال الصف الثانى كانوا فى خاطرى ولم أشركهم فى التنفيذ يوم الثورة حفاظا على المسيرة ، ولكننى لم أتردد فى إبرازهم والاستفادة من قدراتهم بعد نجاح الثورة ، ومنهم من يعمل معى مباشرة الآن . " .

    أما المناسبة الثانية فقد جاءت فى حوار مباشر بينى وبين الرئيس جمال عبد الناصر فى منتصف الخمسينات وقد كان واضحا منذ فترة مبكرة قبل 23يوليو1952 أن قيادة تنظيم الضباط الأحرار قد وضعتنى ضمن اهتماماتها ، وما بين اتصال ثلاثة من زملائى من الضباط الأحرار بتكليف من كمال الدين حسين لتيسير إمكانية الحصول على بعض المواد المطلوبة للنشاط الفدائى فى منطقة قناة السويس إلى لقائى الأول مع عبد الناصر خلال التحاقى بفرقة الشئون الإدارية ، وانتهاء باختيارى سكرتيرا للرئيس للمعلومات ، فقد كلفت بالعديد من المهام ذات الحساسية العالية ، وتلقيت غالبية هذه التكليفات من عبد الناصر شخصيا .. لكن انضمامى إلى تنظيم الضباط الأحرار لم يتم إلا ليلة تنفيذ الثورة بالفعل ، وبدأت المشاركة فى اجتماعات التنظيم فى أعقاب الثورة كما انتظمت أيضا فى حضور اجتماعات ضباط المدفعية التى كانت تعقد برئاسة كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة فى منزله فى منشية البكرى فى ذلك الوقت وكذلك تسديدى للاشتراك الشهرى للتنظيم ( 25قرشا ) والذى كان يحصله البكباشى عبدالحميد بهجت ( المستشار التجارى فيما بعد ) .

    ولقد أثار ذلك سؤالا فى ذهنى آثرت أن أتوجه به إلى عبد الناصر مباشرة عندما أتاح لى موقعى إلى جانبه فرصة مفاتحته فى بعض الموضوعات البعيدة أحيانا عن جوهر العمل المكلف به . ففى منتصف نوفمبر1956 وفى شرفة مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة المطلة على النيل ، وبعد أن هدأت نسبيا التوترات المصاحبة للعدوان الثلاثى على مصر وبعد أن تم وقف إطلاق النار ، وخلال لقاء مع الرئيس توجهت إليه بسؤال عما يدور فى ذهنى وقلت له :

    " سيادتك يافندم اخترتنى على أى أساس ؟

    فأجاب : هل تذكر لقاءنا الأول عندما قابلتك أثناء دراستك لفرقة الشئون الإدارية ؟ وهل تذكر ما قلته لك يومها ؟ لقد قلت لك أنك ضابط سوف يكون لك مستقبل .. ألم تفكر وتبحث من الذى نقلك إلى المخابرات بعد قيام الثورة بيومين ؟ ومن الذى استدعاك يوم 26 يوليو1952 ؟ هل كانت لك معرفة سابقة بزكريا محى الدين ؟ فأجبت بالنفى . فواصل كلامه : هل تعرف أحدا من أعضاء مجلس قيادة الثورة ؟ فقلت له : حتى كمال الدين حسين كان يرسل لى ضباط أعرفهم ، لكنى لم أتعرف عليه شخصيا ولم أتشرف بمقابلته إلا بعد حوالى الشهر من قيام الثورة . فاستطرد عبد الناصر : إنت كنت أحد الناس اللى حطيت عينى عليهم .

    فقلت : بس سيادتك لم تضمنى لعضوية التنظيم .

    فقال : أنا عارف مكوناتك .. إنت نوعك مستقر .. ويمكن تفيد فى مرحلة الاستقرار وليس فى مرحلة يمكن أن تنجح أو تفشل أو تخيب .. فأنت بدأت حياتك وانتظمت فى مهنتك ، وأنت لا تلعب الورق مع هذا أو تسهر مع ذاك ، وعندما التحقت بالمخابرات طلبت من كمال الدين حسين أن يضمك إلى إحدى خلاياه الرئيسية بعد الثورة وكان يحضر معك الاجتماعات أبو اليسر الأنصارى وعبد المجيد شديد ومحمد أبو الفضل الجيزاوى ومصطفى كامل مراد وسعد زايد وعماد رشدى وغيرهم .. ثم أخذتك لتعمل فى هيئة مراقبة الأداة الحكومية وأنت تعلم تماما من هم أعضاؤها ووضعهم بالنسبة للتنظيم والثورة ، وبعد كدة نقلتك إلى القسم الخاص فى المخابرات وأنت تعلم أيضا ماذا كان يعنى هذا المكتب بالنسبة للنظام ، ثم كان نجاحك هو السبب فى خلق الوشايات الحاقدة ضدك فى عملية قضية المدفعية ، وعندما فكرت فى إنشاء سكرتارية المعلومات وفى مناقشة مع حكيم ( عبد الحكيم عامر) رشح هو شمس بدران أو من يرشحه شمس بدران لتولى هذه المسئولية إلا أننى اخترتك لتولى هذه المسئولية نتيجة تقييمى لصلاحيتك لهذا المنصب " .

    ملحوظة :

    "كانت مجموعة شمس بدران تتردد بصفة مستمرة فى ذلك الوقت على مكاتب القسم الخاص والتى كانت فى نفس مبنى إدارة المباحث العامة فى مبنى المجمع بميدان التحرير ثم انتقلت بعد ذلك أيضا مع المباحث العامة إلى مبنى وزارة الداخلية بلاظوغلى ، وكان القسم الخاص يمثل نافذة على كل ما يجرى داخل البلد ، وكان عبد الناصر يعتبر فى ذلك الوقت أن شمس بدران أحد رجاله المخلصين ـ باعتباره أحد أعضاء إحدى خلاياه الرئيسية فى تنظيم الضباط الأحرار ـ وظل هذا الاعتقاد مستمرا حتى آخر سنة 1966 عندما عين شمس بدران وزيرا للحربية ( أكتوبر 1965 ) ، حيث بدأ يظهر ولاؤه وانحيازه الكامل لعبد الحكيم عامر وكان يشاركه فى ذلك كل من عباس رضوان وصلاح نصر وهو ما تأكد عمليا بعد أحداث هزيمة1967 " ـ انتهت الملحوظة .

    ولا شك أن احتفاظ عبد الناصر بشخصيات بعينها ذات صفات قدّرها هو وعمل على عدم إشراكها فى أحداث ليلة 23يوليو1952 ، كان أمرا مخططا ولم يكن يتم بصورة عشوائية .

    أما المناسبة الثالثة فقد وردت خلال لقاء عبد الناصر بسامى الدروبى سفير سوريا الأسبق فى مصر والذى اختاره عبد الناصر ليكون أحد من يتولوا التأريخ لثورة يوليو52 عبر عدة جلسات عقدها معه فى استراحة المعمورة بالإسكندرية فى منتصف شهر أغسطس1970 وقبل رحيله بحوالى شهر ونصف ، وكانت هذه اللقاءات تعتمد على سرد الرئيس لكل أحداث الثورة منذ تبلور فكرتها قبل إنشاء تنظيم الضباط الأحرار ووصولا إلى تاريخ اللحظة التى كانا يجتمعان فيها أى أغسطس1970 . وقد حضرت معهما جلستين حدد الرئيس في الأولى الخطوط العامة للقضايا التى ينوى التحدث فيها وفى الثانية ركز على كيفية اختياره لمختلف العناصر التى شكلت معه قيادة تنظيم الضباط الأحرار وقيادة الثورة فيما بعد ، وفلسفة التغيير الذى ينشده ، ثم منعتنى مشاغلى وتكليفات الرئيس لى عن حضور باقى الجلسات سواء مع سامى الدروبى أو مع دياللو تيللى السكرتير العام لمنظمة الوحدة الإفريقية الذى اصطفاه عبد الناصر أيضا للتحدث معه حول نفس الموضوع وكانت لقاءات كل منهما مع الرئيس على انفراد ومما يؤسف له أن هذه المقابلات لم تسجل لأسباب فنية حالت دون إمكانية التسجيل نظرا لصوت أمواج البحر وصفير الرياح فى المكان الذى كانوا يجلسون فيه .

    جاء حديث عبد الناصر الأول مع سامى الدروبى كما يلى :

    " كان لابد من إحداث تغيير جذرى فى الخريطة الاجتماعية لمصر والتى كانت قد وصلت إلى أقصى درجات انحدارها فى عام 1952 . لقد كان الحكم غارقا فى الفساد بأقصى درجة ، والحكم هنا يشمل كلا من القصر أى الملك وحاشيته والحكومة وقيادات الأحزاب التى انشغلت بمعاركها الخاصة وتجاهلت المصلحة الوطنية العامة ، وكانت المعركة محتدمة بين المجموعات الفدائية وبين الإنجليز فى منطقة قناة السويس ، لكن الحكومة وعناصر الإنجليز داخل البوليس السياسى المصرى كانوا يساهمون فى اعتقال الفدائيين والقبض على العناصر الوطنية من السياسيين من كل الاتجاهات وتزايد حالة السخط الشعبى بسبب الضغوط الاجتماعية والمعيشية والتى أدت فى بعض الأحيان إلى انقضاض الفلاحين على قصور بعض كبار ملاك الأراضى فى الريف وتزايد ظاهرة الإضرابات التى شملت كل الفئات من طلبة وعمال بل وشملت أيضا إضرابا لضباط البوليس تم فى حديقة الأزبكية بالقاهرة مرتين فى بداية الخمسينات ، ولجأت السلطة إلى استخدام العنف فتكونت مجموعات شعبية تبادل العنف بالعنف دفاعا عن أنفسهم ، مما هدد بدخول البلد فى مواجهة دموية لا يعرف نهايتها أو مصيرها وفقط تهدد البلاد بالضياع .

    وكان لابد من إحداث تغيير جذرى فى الخريطة الاجتماعية لمصر ، ولكن القضية الأساسية هو إحداث التغيير المطلوب من خلال بلورة عدد من القضايا العامة التى تنبثق عن دوافع وطنية بالدرجة الأولى لضمان توفير الإجماع حول القرار وضمان النجاح فى مرحلة التنفيذ ، ولو كنت طرحت منذ البداية قضية التحول الاجتماعى أو قضية القومية العربية لدخلت فى دائرة عقيمة من الجدل والاختلاف ، ولما أمكن تنفيذ الثورة أو الوصول إلى النجاح الذى تحقق فعلا فى ليلة 23يوليو1952 ، لكن ما طرح فى البداية كانت قضايا مثل : الملك ـ الفساد ـ الإنجليز ـ الإقطاع ـ الأحزاب السياسية . . وهى كلها قضايا لا يختلف اثنان علي ضرورة حسمها ومهما كانت الأخطار ، ومهما اختلفت الميول والاتجاهات التى يتبناها أى مصرى وطنى .

    كان هذا عنصر الضمان فى توفير الالتقاء ومن ثم توفير القدرة على التحرك لتحديد الهدف . لقد كانت التركيبة غريبة فى حقيقتها ، وكانت الجبهة التى تحدثت عنها تضم فى داخلها عناصر يمينية وأخرى يسارية وثالثة لا تفكر إلا فى شىء واحد فقط هو طرد الإنجليز من مصر ، بينما تفكر أخرى فى طرد الملك وتصفية الأحزاب ، كان هناك أشخاص يأتلفون معنا ولكنهم كانوا ينفذون مخططا يحقق أهداف تنظيمات ارتبطوا بها فى السابق ، وكان كل هم هذه التنظيمات هو احتواء الثورة والاستفادة بنتائج تحرك التركيبة المنفذة لها لتحقيق أهدافهم الخاصة التى لم تمكنهم قدراتهم الخاصة من تحقيقها منفردين . والغريب أنه كانت هناك فى القوات المسلحة عناصر معروفة بأنها عناصر " فاقدة " كما نسميها بلغتنا العسكرية ، وقد ساعد ذلك كله على تحقيق المفاجأة .

    ـ 2 ـ

    لقد حرص جمال عبد الناصر فى هذه المرحلة بألا يسمح للخلافات العقائدية أو السياسية بعرقلة سير الحركة وذلك عن طريق خلق قاسم مشترك بين الجميع يتمثل فى توافق مواقفهم على جعل مصر حرة . وعمل منذ البداية على مقاومة فكرة عبادة الزعيم ، وهى الصورة التى كانت منتشرة فى أحزاب وجماعات ما قبل يوليو، مثل حسن البنا فى جماعة الإخوان المسلمين ، وأحمد حسين فى حزب مصر الفتاة ، ومصطفى النحاس فى داخل حزب الوفد . وكان عبد الناصر اتساقا مع نفس هذه المواقف صاحب ترجيح فكرة اختيار محمد نجيب كقائد للثورة ، بترشيح من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم ـ وكان هناك مرشح آخر هو اللواء أحمد فؤاد صادق الذى اعترض على ترشيحه أنور السادات وهو موضوع سأتناوله تفصيلا فى مكان آخر من هذه المذكرات ـ رغم أنه لم يشترك فى التحرك أو ينضم لتنظيم الضباط الأحرار . لقد كان محمد نجيب وبحكم موقعه فى الجيش وبحكم اتصالاته يعلم أو يرى أن انقلابا سوف يقع ، لكن ووفقا للخطة كان مقررا أن يظل فى بيته بعيدا نظرا لأنه كان معروفا تماما للسلطة السياسية ولأجهزة الأمن ، وقد يثير اشتراكه الفعلى فى أى عمل شكوك هذه الجهات وقد يؤدى إلى إحباط التحرك فى مهده ، ومع أن الضباط من أعضاء التنظيم كانوا ينظرون إلى نجيب بتقدير واحترام إلا أنه لم ينضم لعضويته إلا بعد نجاح الثورة ، وكان جمال عبد الناصر قد أجرى معه أكثر من اتصال بطرق مباشرة أو غير مباشرة وكان أولها فى ديسمبر1951 أثناء عملية انتخابات نادى ضباط الجيش  .

    هكذا كان اختيار جمال عبد الناصر لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار مرتبطا بمعيار أساسى هو الاستعداد للتضحية بالنفس ، وتبنى القضية الوطنية فى إطارها العام أى القضاء على الاستعمار والفساد فى الداخل ، والانتقال بالمجتمع من مرحلة التدهور فى بنائه القيمى والأخلاقى إلى مرحلة جديدة تؤهله للبقاء والاستقرار .

    من هنا أيضا جاء القرار الثانى الذى توافق عليه جميع عناصر الثورة حيث شهدت علاقاتهم جميعا تفاهما كبيرا حول القضية الوطنية ، وقد طرحت فى مرحلة التخطيط النهائى لتنفيذ الثورة قضية محورية هى اختيار آليات التنفيذ ، وكان إصرار عبد الناصر على أن تكون الثورة بيضاء ، يتم فى إطارها الابتعاد تماما عن الإقدام على أية عمليات اغتيالات أو إهدار للدماء ، وكان من رأيه عن اقتناع وهى مقولة كان يرددها باستمرار فيما بعد فى كل الأزمات التى قابلت الثورة سواء فى الداخل أو فى الخارج ـ " أن الدم يؤدى إلى مزيد من الدم " ، وقد تغرق البلاد فى مواجهات دموية يصعب وقفها وتدفع إلى تأليب الرأى العام العالمى ضد الحركة الثورية فى أيامها الأولى .

    وكانت هناك آراء داخل تنظيم الضباط الأحرار تصر على التخلص من الملك فاروق باعتباره رأس الفساد ، ومنعا لأى تحرك مناصر له من الداخل أو من الخارج كما طرح البعض فكرة تقديمه للمحاكمة ، لكن جمال عبد الناصر ـ الذى كان قد انتخب رئيسا للتنظيم لأكثر من مرة ـ عارض فكرة التخلص من الملك فاروق كما تحفظ على محاكمته بالنظر لاحتمال استغراق المحاكمة وقتا طويلا يخشى خلاله أن يتحرك أنصار الملكية فى الداخل للقيام بثورة مضادة ، وقد تجر إلى تدخل خارجى لمساندة هذه الفئة ومن ثم فقد اتفق الجميع ـ برغم عدم تعاطفهم مع الملك ـ على الصيغة التى نفذت بالفعل وهى توقيعه على وثيقة التنازل عن العرش سلميا لصالح ابنه أحمد فؤاد كمرحلة انتقالية قبل إلغاء الملكية وإعلان النظام الجمهورى بعد ذلك .

    أما القرار الثالث الذى وافق عليه تنظيم الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر فقد تمثل فى إغلاق الطريق أمام هيمنة أى من الأحزاب أو الحركات السياسية على الثورة ، والعمل على احتوائها لصالح هذه التنظيمات .

    لقد تملك جمال عبد الناصر منذ بداية الأربعينات الرغبة فى التغيير بعد أن استوعب الظروف المعيشية والاجتماعية والسياسية التى كانت سائدة فى مصر وقد تضاعفت هذه الرغبة لديه فى عام 1948 بعد أن لمس الموقف داخل القوات المسلحة بصورة أكثر وضوحا وقال جملته المشهورة : " إن حربنا فى الداخل وليس فى الخارج" . 

    بدأ جمال عبد الناصر نتيجة لذلك فى الاتصال بالتيارات والعناصر الحزبية والسياسية المختلفة فى الساحة المصرية وكان من بينها ثلاث تيارات أساسية هى : مصر الفتاة والشيوعيون والإخوان المسلمين وعدد من الأحزاب الأخرى ، ولم ينخرط عبد الناصر فى عضوية أى من هذه التنظيمات لكن هدفه كان هو التعرف عليها من الداخل وجس نبضها ومدى قدرتها فى إطار من السرية والانضباط ، ولكنه اكتشف أن لا فائدة من هذه الاتصالات فلم يكن هدف هذه التنظيمات إحداث التغيير بقدر ما كان هو محاولة الاستفادة من الأوضاع القائمة واستثمارها .

    كان لحزب مصر الفتاة على سبيل المثال شعبية وقدرة على الانتشار والتحرك فى الأوساط المختلفة ، فتم الاتصال بالعناصر التى كانت منتمية للحزب الوطنى المصرى الذى انبثق عنها وكان يمثله فتحى رضوان وأحمد حسين ومجموعة من الشخصيات السياسية ، وقد أسفرت هذه الاتصالات عن تشكيل الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار التى كانت تضم الشيوعى والإخوانى ومصر الفتاة وبعض القريبين من حزب الوفد أو عناصر كانت تستطيع أن تشكل قناة تفتح على حزب الوفد . وكان ذلك قبل قيام الثورة بعام واحد ، وبدأ الإخوان المسلمين فى التحرك لمحاولة احتواء التنظيم والسيطرة على توجهاته وهو ما كان يرفضه عبد الناصر وغالبية ضباط التنظيم ومن ثم فقد عقدت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار اجتماعا قررت فيه بالإجماع وضع عناصر الإخوان المسلمين أمام مسئولياتهم وخيّرتهم إما الانضمام تحت لواء تنظيم الضباط الأحرار الذى يمثل جميع المصريين أو أن تكون الهيئة التأسيسية فى حل من تنفيذ القرار الذى اتخذته بالفعل وكان هو إبعاد جميع الضباط المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين من عضوية التنظيم ، ونفذ هذا القرار قبل قيام الثورة بستة أشهر ، كما طبق نفس القرار بعد ذلك على عدد من الأعضاء المنتمين للحزب الشيوعى المصرى فى الوقت الذى قبلت عناصر من " حدتو " الالتزام بالقرار .

    هكذا كانت قرارات تنظيم الضباط الأحرار فى تلك المرحلة مرتبطة بعدة أهداف أساسية تدور كلها فى إطار إحداث التغيير المنشود بصورة سلمية بيضاء ، وبما يؤكد استيعاب زعامة التنظيم لكل الظروف والمكونات الثقافية والاجتماعية التى تعيشها مصر ، وتطلعت إلى توفير كامل الإرادة الحرة فى اتخاذ القرارات بعيدا عن أية مؤثرات أو محاولات للاختراق سواء من الداخل أو من الخارج .

    إن ذلك المنهج قد امتد تأثيره وتأكد فى عديد من المناسبات على مدى فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر بالكامل حيث تتمثل نقطة البداية فى كل مرة فى تحديد الهدف بوضوح ، ولا شك أن أكثر ما يميز نهج عبد الناصر قبل الثورة أو بعدها هو وضوح الرؤية الإستراتيجية البعيدة ثم يليها توفير كل المعلومات اللازمة من عديد من المصادر التقليدية وغير التقليدية ، المنظورة وغير المنظورة ، فكلما كانت كمية المعلومات كثيرة توفرت القدرة على اتخاذ القرار الصحيح فى التوقيت الملائم ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى حسابات النتائج المتوقعة الإيجابى منها والسلبى ، فليس هناك قرار أو تصرف سياسى معين يحظى بإجماع شعب بأكمله ، ولكن معيار النجاح يكمن دائما فى تفوق قاعدة المستفيدين بصورة حاسمة على عناصر المضارين من أى قرار . تلك قضايا ومعايير سوف أتعرض لها تفصيلا فيما بعد من خلال أمثلة عملية فى اتخاذ القرارات الكبرى أو فى بعض الموضوعات التى سيفرد لها فصولا خاصة مستقلة كقضية الوحدة بين مصر وسوريا وقضية تأميم شركة قناة السويس وغيرها .

    وبالطبع عندما نتحدث عن أسلوب الرئيس جمال عبد الناصر فى اختيار معاونيه أو التعامل مع معا رضيه فلابد أن نتطرق لأسلوبه فى اختيار العناصر الفنية للمناصب أو المواقع المختلفة فى الدولة من خارج دائرة تنظيم الضباط الأحرار فقد ارتكز هذا الأسلوب على كثير من المعايير الموضوعية وعناصر الكفاءة الشخصية بعيدا عن ما يميل البعض إلى تسميته " بأهل الثقة وأهل الخبرة " حيث اعتمد النظام السياسى فى مختلف مراحله على عدد لا يحصى من ذوى الخبرة والكفاءة الفنية فى إنجاز أهداف الثورة فى كل المجالات وكل المواقع ، ويشهد على ذلك برنامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية الذى توج بخطة التنمية الخمسية 1960ـ1965 ، والبرنامج النووى ـ وهو ما سأفرد له فصلا خاصا فى هذه المذكرات ـ ، وإصلاح النظام التعليمى وتطوير الجهاز الإدارى فى مصر وغيرها من مختلف القطاعات .

    وعلى سبيل المثال فقد كانت توجيهات الرئيس عبد الناصر تقضى بأن تعد قوائم تضم ترشيحات بالعناصر التى تصلح للانضمام إلى الوزارة فى كل مرحلة أو مناصب الدولة العليا و القيادية فى القطاعات الأخرى المختلفة علاوة على مناصب الحكم المحلى من مستوى المحافظين ومن يليهم فى السلم الوظيفى على أن يدرج بها ما لا يقل عن ثلاثة مرشحين لكل موقع بحيث يتم الاختيار من بينهم للأكثر تلاؤما مع الأهداف المطلوب تحقيقها فى كل مرحلة .

    وكان الرئيس جمال عبد الناصر يدقق فى قوائم الترشيح ويفحص بدقة المعلومات المسجلة عن كل مرشح ويسترجع خلفيته الشخصية عما يعرفه هو شخصيا ، وعلى سبيل المثال أعرض فيما يلى مشروع تعديل وزارى سجله عبد الناصر بخط يده فى عام 1962 ، وإن لم ينفذ كله .

    (  صورة الورقة التى كتبها الرئيس بخط يده )

    وإذا كانت المؤسسة العسكرية قد عزلت نفسها عن هذه المعايير قبل 1967 فقد حرص عبد الناصر على قلب كل المعايير التى كانت متبعة فى السابق لشغل المواقع الرئيسية فى القوات المسلحة وفرضت عناصر الكفاءة والعلم والاحتراف العسكرى نفسها بقوة على كل اختيار تعرض له داخل القوات المسلحة بل أكثر من ذلك ، كان لدى عبد الناصر خطة كاملة للشكل والهيكل الوظيفى الذى يجب أن تكون عليه القوات المسلحة قبل خوض معركة تحرير الأرض ، وكانت هناك أسماء بذاتها يجرى إعدادها لتولى مواقع القيادة فى المراكز القيادية و الحساسة قبل بدء المعركة بوقت كاف ، وكان قد بدأ فعلا فى تنفيذ هذا المخطط اعتبارا من منتصف1970 وعلى وجه التحديد من يوم 12 أغسطس سنة1970 حيث فوتح بعض هؤلاء القادة فعلا فى تحضير أنفسهم لتولى قيادات بعينها ، وفى الوقت نفسه كانت تتم الخطوات التنفيذية للباقين الذين كانوا سيتولوا مراكز قيادية أو حساسة أخرى ، ومن ذلك وعلى سبيل المثال فى رئاسة الأركان كان سيتولاها محمد حافظ إسماعيل والذى أمضى فترة تأهيل فى رئاسة المخابرات العامة ليكون على اتصال بالأحداث من ناحية ومن ناحية أخرى ليكون فى الصورة من أسلوب العمل اليومى فى مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، وذلك لتولى المكان الذى كان يشغله الشهيد عبد المنعم رياض ـ وقد فوتح فى ذلك ـ .

    وفى باقى الأسلحة كان يعد لقيادة وحداتها الضاربة الرئيسية كل من الضباط عبد المنعم واصل وعمر أحمد خطاب وعلى عبد الخبير و عبد المنعم خليل و حسن البدرى ومصطفى الجمل و محمد حسنى مبارك ـ لتولى قيادة القوات الجوية ، ـ وقد فوتح فى ذلك ـ وعدلى حسين سعيد ومحرز مصطفى عبد الرحمن و عبد القادر حسن وعبد الفتاح عبد الله ومحمد إبراهيم سليم وجمال محمد على ومرسى عبدالباقى و أحمد زكى عبد الحميد وعمر جوهر وصبحى إسكندر و محمد سعيد الماحى و سعد عبد الكريم ومحمد عبد الغنى الجمسى و مختار هلودة ومحمد صدقى بكر وأحمد داود حجازى ومحمد نور الدين عفيفى وفؤاد حلمى السماع و فتحى عبد الله النمر وفاروق فهمى بشير وممدوح إسماعيل وعصام فضلى وعادل سوكة و محمد على فهمى ـ الذى تولى فعلا قيادة الدفاع الجوى ـ و رءوف أحمد فهمى ومحمد على متولى والسيد حمدى و بهيج الكردانى ومحمد عبد الحليم أبو غزالة و إبراهيم سلامة و حسن أحمد الكاتب وعبد رب النبى حافظ و محمد نبيه السيد وصبحى الملاح و حسن عبد الغنى وعادل على السيد وفاروق محمد محمود و أحمد عبد الغفار حجازى وعبد الرحمن فهمى و فوزى فهمى ومحمد أمين عبد الوهاب وفاروق فهمى سالم وعبد العاطى أبو سيف و صلاح السعدنى وعادل إبراهيم محمد وعبد الخالق مطاوع وعبد العزيز بدر وخليل خميس وعبد الستار مجاهد و باقى زكى يوسف وعبد الحليم . . . ( مهندس قطعت أطرافه فى إحدى تجارب استخدام المياه فى نسف السد الترابى ) وغيرهم .

وكانت المعرفة الشخصية لجمال عبد الناصر ببعض العناصر وما توفره أجهزة المعلومات ومؤسسة الرئاسة من خلفيات دورا مهما فى ترجيح الاختيار الذى يجرى عادة بعد الإطلاع على الملف الوظيفى لكل شخص أو أية ملفات أمنية ( موثقة وليست على طريقة نمى لعلمنا ) ، أو فنية أو علمية موجودة ، ثم اللقاء الشخصى المباشر مع الرئيس عبد الناصر أو أى من كبار معاونيه .

ـ 3 ـ

    وقضية اختيار المعاونين الملاصقين للرئيس جمال عبد الناصر تثير معها مقولة " أهل الثقة وأهل الخبرة " ، والتى طالما تغنى بها منتقدو ثورة يوليو والنظام الناصرى ككل ، وأود أن أؤكد رفضى لهذه المقولة شكلا وموضوعا ، فلم يكن كل " عسكرى " هو أهل ثقة ، فكم من العسكريين حظوا بالثقة الكاملة ومع ذلك فقد خانوا الأمانة وخانوا الفكرة وفقدوا الثقة ، ولم يمنع ذلك بالطبع أن العناصر العسكرية التى انتمت إلى الثورة ووضعت رقابها على أكفها ليلة 23يوليو1952 وساندت الثورة حتى مرحلة اكتمال المسيرة كانوا على درجة عالية من الإخلاص والكفاءة .

    وينطبق نفس القول على القطاع المدنى والعناصر التى استعانت بها الثورة من خارج القوات المسلحة وكان حرص قيادة الثورة وفى مقدمتهم جمال عبد الناصر على الاستعانة بكل كفاءة ممكنة لدفع مسيرة التنمية التى استهدفتها الثورة فى كل المجالات ولم تضع قيودا من أى نوع على التعاون معها ، وفى بداية الثورة على سبيل المثال كانت هناك العديد من العناصر والتى كانت تنتمى لأحزاب أو تيارات سياسية أو اتجاهات أيديولوجية سابقة ولكنها كانت فى الوقت نفسه تحمل خبرات متميزة وبخاصة فى المجالات القانونية أوالإقتصادية أو الاجتماعية أو الزراعية والتعليم وغيرها من المجالات ، فاتجهت الثورة للاستفادة من هذه الخبرات بأقصى قدر ممكن واستمر هذا النهج على مدى الثمانية عشر عاما ، وأستطيع أن أحصى مئات الأسماء التى تولت مسئولية العمل العام داخل الوزارة أو التنظيم السياسى أو المؤسسات المختلفة يرشحها خبراتها وكفاءتها فقط ، وأذكر فى هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر : محمود فوزى ـ حلمى بهجت بدوى ـ وليم سليم حنا ـ كمال رمزى إستينو ـ محمد فؤاد جلال ـ نورالدين طراف ـ فتحى رضوان ـ أحمد عبده الشرباصى ـ عباس عمار ـ على الجريتلى ـ عبد الرزاق السنهورى ـ مصطفى خليل ـ عزيز صدقى ـ عبد العزيز حجازى ـ سيد مرعى ـ عبده سلام ـ محمد لبيب شقير ـ محمد الخواجة ـ أحمد الخواجة ـ د.عبد العزيز السيد ـ أ. عبد العزيز السيد ـ أحمد محرم ـ محمد البهى ـ حسين خلاف ـ عزت سلامة ـ نزيه ضيف ـ عبد المنعم القيسونى ـ حسن عباس زكى ـ إبراهيم زكى قناوى ـ محمد عوض القونى ـ محمد حلمى مراد ـ حسين سعيد ـ إبراهيم شكرى ـ عصام الدين حسونة ـ أحمد حسنى ـ أحمد حسن الباقورى ـ عبد الوهاب البرلسى ـ أحمد بهاء الدين ـ ذو الهمة الشرقاوى ـ حامد معيط (من تنظيم الضباط الأحرار وهما مهندسان فى السكة الحديد ) ـ أحمد فؤاد ( من تنظيم الضباط الأحرار وهو قاض وليس عسكريا ) ـ عبد المعبود الجبيلى ـ محمود أمين العالم ـ فؤاد مرسى ـ إسماعيل صبرى عبد الله ـ محمد حسنين هيكل ـ عبد الرزاق صدقى ـ جندى عبد الملك ـ موسى عرفة ـ أحمد نجيب هاشم ـأحمد المحروقى ـمحمد النبوى المهندس ـ حكمت أبو زيد ـأمين حلمى كامل ـ سليمان حزين ـ عبد الخالق الشناوى ـ أحمد مصطفى ـ محمد حافظ غانم ـ على زين العابدين صالح ـ محمد بكر أحمد ـ محمد صفى الدين أبو العز ـ ضياء الدين داود ـ عبد العزيز كامل ـ عزيز أحمد يسن ـ وآخرين غيرهم كما يضيق المجال بحصر أمثلة منهم من الصفوف الثانية .

    وأريد هنا أن أستطرد فى عرض موضوع يؤكد وجهة نظرى ألا وهو موضوع إنشاء المؤسسة الاقتصادية فى مصر سنة1957 . فعندما أنشئت المؤسسة الاقتصادية تولى رئاستها أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة هو السيد حسن إبراهيم وكان المدير العام والدينامو والمحرك الأساسى هو محمد صدقى سليمان ومعهما مجموعة من الخبراء والفنيين والإداريين والاستشاريين أداروا المؤسسة بكفاءة مشهودة . ومحمد صدقى سليمان أهل خبرة وأهل ثقة فى نفس الوقت . وفى موضوع أهل الثقة وأهل الخبرة هل يستعين صاحب العمل أى صاحب عمل ، بأى شخص موضع ثقة فقط أو أهل خبرة فقط أم لابد أن يتوافر الشرطان معا لنجاح العمل .

    ومن ناحية أخرى هناك تساؤل يلح علىّ هو هل رجال القوات المسلحة مصريين أم أجانب ؟ أكاد أقول أن المقصود بإثارة هذه المقولة هو إحداث نوع من الفتنة ، لماذا ؟ هل إذا كان لأحد الأشخاص ابن فى القوات المسلحة ضابط مثلا ، هل يلفظه لمجرد أنه ضابط وعسكرى ؟ إن الضابط هذا يدير وحدة قتالية هدفها فى النهاية الاستشهاد وهو أبلغ تعبير عن الثقة والخبرة معا . إن العسكرى إنسان مؤهل ودرس علم وفن إدارة البشر وهى ليست بالأمر السهل . إذا كان هذا الضابط مهندسا مثلا ، يكون عنده الخبرة والثقة فى نفس الوقت ضابط مهندس وضابط طبيب هؤلاء لا يقلون عن المهندس أو الطبيب العادى بل بالعكس فلدى العسكرى منهم خبرة إضافية فى مجالات أخرى أقلها الإدارة سواء للأفراد أو للوحدات ، والعسكرى لديه أيضا خبرتان خبرة استشارية وخبرة إدارية ، وللعلم فإن الإحصائيات التى صدرت عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تفيد بأن العسكريين المصريين الذين عملوا فى الإدارة نسبتهم إلى المديرين 5 % .

    دعنا نبحث مسألة أهل الثقة وأهل الخبرة بأسلوب علمى . ففى رأيى أن أهل الثقة هم من يستطيعون أن ينفذوا السياسة العامة فى الموقع الذى تختارهم فيه دون الخروج عن الخط السياسى ، أما أهل الخبرة فهم من يعطونك الخبرة الفنية كل فى مجاله مستندين إلى النظريات التى قد تتعارض مع التطبيق العملى فى بعض الأحيان ، ربما قد لا يحقق الهدف السياسى . وعموما وفى النهاية فإن القرار دائما هو القرار السياسى ، وأن أكبر الشركات والمؤسسات فى العالم المتقدم يتولى أمورها سياسيون بالدرجة الأولى ومع ذلك فإن أهل الثقةـ حسبما أفهم ـ الذين أداروا المشاريع المصرية سواء بعد التمصير أو بعد التأميم كانوا فى الغالب يجمعون الصفتين معا كأهل ثقة وأهل خبرة فأغلبهم كانوا من المهندسين أو الأطباء أو الصيادلة وغيرهم والأمثلة على هؤلاء تنطبق على كل من : محمد صدقى سليمان ـ سليمان متولى ـ محمود يونس ـ فتحى رزق ـ عبد الوهاب البشرى ، مؤسس الصناعات الحربية والصناعات المدنية المتفرعة منها ـ أحمد توفيق البكرى ـ محمد البديوى فؤاد ـ عبد الحميد أبو بكر ـ محمد عزت عادل ـ محمد محمود نصار ـ محمد عبد الوهاب شكرى ـ فؤاد الطودى ـ محسن إدريس ـ حلمى السعيد ـ وجيه أباظة ـ كمال هنرى أبادير ـ أحمد فؤاد ـ وغيرهم الكثيرين ، كلهم أداروا مواقع غاية فى الأهمية والحساسية والتعقيد ، فماذا كانت نتيجة وحصيلة إدارتهم وقيادتهم لهذه المواقع ؟ وبعضهم ما زال حتى اليوم يدير مؤسسات حيوية وإستراتيجية فى الدولة .

    ولماذا نذهب بعيدا عن حقيقة أمر فى غاية الأهمية ألا وهو سكرتارية الرئيس للمعلومات ، التى لا يستطيع أحد أن ينكر أو يناقش فى كونها كانت من أخطر وأكثر الأجهزة حساسية فى تجربة ثورة يوليو1952 أقول أن هذه السكرتارية منذ أن بدأ تشكيلها سنة 1955 وحتى مايو1971 ، لم يشغل فى أى منصب فيها على مدى التطورات التى مرت بها أى عسكرى لا من القوات المسلحة ولا من الشرطة ـ سوى سامى شرف . والضباط الأحرار الثلاثة أحمد المنياوى وبهى الدين بدر وأحمد رءوف أسعد الذين ندبوا للعمل فيها لم تتجاوز فترة ندبهم الشهور الأربعة سنة1961 وكان ندبهم لأسباب أمنية فقط ولم يكونوا من صلب الهيكل الوظيفى للسكرتارية بل كانوا يعملون من خلال مكتب السكرتارية الخاصة لرئيس الجمهورية لاستلام البريد ووضعه على مكتب الرئيس فى منشية البكرى ثم تجميع البريد بعد العرض لإعادته إلى سكرتارية الرئيس للمعلومات التى كان مقرها فى مبنى رئاسة الجمهورية فى مصر الجديدة فى ذلك الوقت ، وعندما انتقلت سكرتارية الرئيس للمعلومات إلى منشية البكرى ليلة 28سبتمبر 1961 انتفى الغرض من ندب هؤلاء الضباط لوجودى بشخصى طول الوقت فى منشية البكرى وعينوا كمعاونين للسكرتير العام لرئاسة الجمهورية بالقبة . وكان جميع العاملين فى سكرتارية الرئيس للمعلومات من الفنيين و والإداريين المدنيين .

    ولقد نجحت مصر على سبيل المثال فى توفير بنية أساسية قوية وملائمة لظروفنا فى مجال الطاقة النووية اعتمادا على العناصر المصرية وحدها وبدفع وقيادة الثورة ، ونفس الوضع فى مجال التخطيط الإقتصادى والاجتماعى ، وقد جمعت كل هذه العناصر إلى جانب إخلاصها ووطنيتها خبرة ومعرفة عميقة كل فى مجال اختصاصه ، وكما يقول محمد محمود الإمام ـ أحد الأوائل الذين استعانت بهم الثورة فى مجال التخطيط مع إبراهيم حلمى عبد الرحمن واحمد على فرج ، يقول : " إن هذه الخبرات الفنية ذات القدرات العالية فى تخصصاتها كانت تنقصها الرؤية الإستراتيجية التى تحدد كيفية توظيف هذه الخبرات لصالح الوطن ككل ومن ثم كان مطلوبا من قائد الثورة أن يقدم هذه الرؤية الإستراتيجية فى كل المجالات ، وكانت تلك هى مهمة جمال عبد الناصر والمجموعة المشاركة فى تنفيذ الثورة وإرساء نظامها ، وبغير ذلك تبقى الخبرات فى إطار نظرى يجعلها مشدودة إلى مناهج دراسية تلقتها سواء من الغرب أو من الشرق دون أن تعكس ممارساتها بوضوح وصدق هموم الوطن والمواطنين . " . 

    ـ 4 ـ

    ومع ذلك فكم من الاتهامات التى وجهت لنظام عبد الناصر ولعبد الناصر شخصيا بعد رحيله سواء بالديكتاتورية والانفراد بالقرار وإقامة نظام سلطوى أو بانتشار مقولة " أهل الثقة وأهل الخبرة " ، تعبيرا عن التفرقة بين العسكريين الذين ينتمون إلى القوات المسلحة وبين المدنيين الذين كان عليهم أن ينصاعوا لقرارات الفريق الأول فى كل الظروف . ولعل هذه الاتهامات تحتاج إلى مزيد من المناقشة الموضوعية الهادئة وأمامنا شهادات الكثيرين فى توصيف حال مصر قبل الثورة ومفهوم الحكم لدى عبد الناصر ومواقفه المتكررة من قضية الديموقراطية والديكتاتورية ربما نتعرض لها فى مواقع أخرى من هذه المذكرات . وسوف أكتفى فى هذه المرحلة بعرض شهادة الكاتب الأمريكى المشهور " ستيوارت آلسوب " التى نشرها فى جريدة " شيكاغو صن " قبل قيام ثورة يوليو 52 مباشرة حيث جاء فيها :

    " إذا كانت بريطانيا قد استطاعت فيما مضى أن تحافظ على نفوذها فى مصر بحلف الباشاوات وجعلهم أصحاب نفوذ وبرشوتهم بعد ذلك ليكونوا مجرد أداة لتسهيل مصالحها الاستعمارية إلا أن هذه الطريقة لم تعد عملية ولا مجدية اليوم . إن الشعب الفقير قد أخذ يستيقظ ويشعر بالضيق الذى يلحق به . إن الحديث عن انتعاش الديموقراطية فى بلد كمصر تعيش فيه أغلبية الشعب بمعيشة أحقر من عيشة الحيوان هو مجرد لغو فارغ . إن مصر لا تحتاج إلى الديموقراطية ، بل تحتاج إلى رجل مثل كمال أتاتورك ليقوم بالإصلاحات الضرورية واللازمة للبلاد . لكن مشكلة مصر الحقيقية هى فى كيفية العثور على الديكتاتور ، فلا يوجد بين رجالها من لديه المؤهلات اللازمة للديكتاتور ." .

    هذه الشهادة من كاتب غريب عن مصر وصدرت فى وقت كان لدينا فيه مؤسسات دستورية ومجلس نواب ومجلس شيوخ وأحزاب ومجلس للوزراء وقضاء شريف وصحافة تقول ما تريد ، لكن السلطة العليا كانت للإنجليز أولا ثم للملك ثم لطبقة من الباشاوات تتغلغل فى كل هذه المؤسسات وتفرض هيمنتها عليها ومن ثم جاءت العملية الديموقراطية مجرد استعراض للعضلات ومبارزات كلامية ، وفى الوقت نفسه تعبيرا عن مصالح محددة لا يمكن المساس بها بأى حال مهما كانت الظروف .

    وعندما قامت الثورة وطرحت أهدافها وأعلنت مبادئها وأصرت عليها ، أعلن جمال عبد الناصر تبنيه لفكرة الديموقراطية وعودة العسكريين إلى الجيش ووقع خلاف بسبب ذلك داخل مجلس قيادة الثورة وآثر جمال عبد الناصر أن يقدم استقالته ويعود إلى بيته مؤكدا أن الانغماس فى الحكم سوف يدفع بهم إلى تقديم ديكتاتورية جديدة ، ويشرح السادات هذا الموقف بوضوح فى خطاب ألقاه فى الذكرى الأولى لرحيل عبد الناصر فى سبتمبر 1971حيث قال :

    " قامت الثورة سنة52 وقبل أن تقوم الثورة للحق وللإنصاف وللوفاء كان هناك ما يسمى بالهيئة التأسيسية للضباط الأحرار تشكلت سنة1951 ، وهى التى تحولت إلى ما سمى بعد قيام الثورة بمجلس قيادة الثورة ، أما قبل قيامها فكان هناك الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار لأنه فى سنة51 استشعر جمال أن التنظيم وقف على رجليه ويستطيع الآن إنه يكون له قيادة ، ويستطيع أن إنه يبدأ ممارسة الهدف أو ممارسة عمله نحو الهدف المطلوب وهو الثورة والتغيير " .

    هذه الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار ، للتاريخ ، وللإنصاف الذى جمعها وكونها هو جمال عبد الناصر. هو الآن عند ربه ولا يستطيع أى مدّعى أن يدعى أى شىء ، لكن الحقائق لا يمكن أن تغيب أو تختفى أبدا . كوّن جمال الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار كقيادة للتنظيم من قبل الثورة .. وقامت الثورة وتحولت هذه الهيئة إلى مجلس قيادة الثورة .. فى تقدير الموقف قبل قيام الثورة ، وأنا حكيت لكم قبل كدة عن قرار قيام الثورة فى 23يوليوالماضى اللى إتخذه جمال . . لما قامت الثورة فى ليلة 22ـ23يوليو، وفى صباح 23يوليو مضينا فى العمل إلى جانب جمال ، وكان لابد أن نحسم معركة الملك . . فى 26يوليوبالطريقة اللى حضراتكم لابد قريتم عنها . . تم إرسال إنذار له . . وخرج الملك فى مساء 26يوليو . . وجينا يوم 27يوليو اجتمعت الهيئة التأسيسية لأول مرة بعد نجاح الثورة وخروج الملك كمجلس لقيادة الثورة . . لم تعد هيئة تأسيسية وإنما أصبحت مجلسا لقيادة الثورة . . وكان عددنا تسعة وكان واحد متغيب ، فكنا ثمانية فى ذلك الاجتماع . أول شىء عمله جمال إيه فى الاجتماع ده ؟ تنحى عن رئاسة الهيئة التأسيسية وقال بالنص الآتى: " الآن نجحت المرحلة الأولى من مراحل ثورتنا . . أنا أجد لزاما علىّ أن أتنحى لكى تختاروا رئيسا لمجلس قيادة الثورة من جديد . " ، مع إنه كان منتخبا رئيسا للهيئة التأسيسية من قبل بالإجماع . . المعنى اللى وراء هذا علشان نعرفه ، وإنتم أجدر الناس إنكم تسجلوا هذا الكلام لأن ده بدأ هذه الثورة اللى إنتم شايلين اليوم مسئوليتها . . وإنتم الآن مجلس قيادة الثورة بتاعها . . نجحت المرحلة الأولى ، قال أبدا . . أنا بأتنحى وصمم على إجراء انتخابات جديدة بطريقة سرية . . قاومنا إحنا السبعة وقلنا ده شىء بديهى مافيش داعى ، ما إنت رئيس الهيئة التأسيسية ، وإنت رئيس مجلس قيادة الثورة . . قال : أبدا . . أنا متنحى . . نجحت المرحلة الأولى لابد من مرحلة جديدة إحنا داخلين عليها . . لابد أن نعيد الانتخابات فقد يكون لكم رأى آخر . . أجريت الانتخابات بطريقة سرية بورق مقفل . . فى مجلس قيادة الثورة فى كوبرى القبة . . وبالإجماع أعيد انتخاب جمال رئيسا لمجلس قيادة الثورة . . كانت أول مفاجأة دى فى الاجتماع لنا وإعتبرناها مفاجأة .

لكن كان فيه مفاجأة ثانية ما كناش واخدين بالنا منها خالص .. إحنا إعتبرنا أنه بإعادة انتخابه بالإجماع انتهى الأمر ، وحانقعد نتكلم إيه الموضوع ؟ الملك خرج إمبارح . . البلد فى يوم وليلة أصبحنا مسئولين عنها . . قال لأ . . فيه موضوع ثانى بيهمنى لازم أطرحه عليكم برضه إحنا ما إحناش واخدين بالنا . . قال الحكم حايمشى إزاى ؟ ديكتاتورية ولاّ ديموقراطية ؟ ما دام إنتخبتونى ريّس دلوقتى لمجلس قيادة الثورة . . قبل ما أقول بسم الله الرحمن الرحيم ، قولوا لى حا نمشى ديموقراطية ولاّ ديكتاتورية ؟ وزىّ العادة فكنا فى الهيئة التأسيسية كل واحد ياخذ الكلمة وهو آخر واحد يتكلم . . إحنا السبعة فضلنا الديكتاتورية وقلنا ما فى سبيل إطلاقا لتقويم الفساد فى هذا البلد والمظالم إلا الديكتاتورية ، ولابد من أن تقام المشانق فى الميادين العامة لخونة الشعب . . من خانوا الشعب . . السبعة . . إحنا كنا ثمانية زى ما قلت لكم وواحد كان متخلف . . السبعة وكأننا نتكلم بنص واحد . . الديكتاتورية . . ومن بكرة لابد من عملية تطهير البلد بالمشانق فى الميادين العامة .

تكلم جمال آخرنا . . الله يرحمه . . وبدأ يشرح الظروف اللى قامت فيها الثورة وأن الشعب وجد متنفس بدليل إن إحنا وإحنا مجرد طليعة من القوات المسلحة وجدنا تأييد ساحق من الشعب كله خلال الثلاث أربع أيام اللى فاتوا . . الكلام ده كان يوم 27يوليو . . طيب التأييد ده جه منين ؟ جه لأن الشعب بيحس فعلا أن هذا العمل اللى إحنا عملناه يعبر عن إرادته . . فإذا صدمنا الشعب وهو واقع تحت ديكتاتورية الأحزاب بديكتاتورية من لون جديد ألعن من ديكتاتورية الأحزاب . . والله الأحزاب كانت بتعمل حساب للملك آل وخايفة . . وكانوا إلى حد ما فى ديكتاتوريتهم ما بيصلوش إلى حدود إنما إحنا ما فيه ملك النهاردة ، وما فيه شىء أمامنا ونستطيع أن نفعل ما نشاء . . إلى أين ؟ تساءل إلى أين إذا طبقنا الديكتاتورية ؟ قال . . أبدا . . وحتى إذا إخترتم ، وإذا إخترت أنا معاكم الديكتاتورية فالانتخابات اللى إنتم عملتوها لى من ساعتين تعتبر لاغية لأن أنا بتكوينى لا أطيق أن أكون ديكتاتور لسبب بسيط لأنى لا أطيق أن يحكمنا ديكتاتور ، فكيف تطلبون منى أن أكون ديكتاتور ؟ ! .

وفى نهاية حديثه قال : إذا كان ولابد لرأيى أنا ، اللى هو رأيه هو فلنسلم البلد إلى الأحزاب كما كانت بدلا من أن نصدم البلد صدمة عمرها بأن نقيم ديكتاتورية أنكى من ديكتاتورية الأحزاب لأننا مطلقين اليد ، وفى يدنا القوة والسلاح ، فلنسلم البلد أشرف لنا ، وأن نعود لأماكننا من أن نقيم حكم ديكتاتورى بدلا من حكم ديموقراطى .

اشتد الجو وإشتدت المناقشة ولجأ البعض منا فى حدة المناقشة بعد ثلاث ساعات قالوا ناخذ الأصوات حسب اللايحة بتاعتنا . . بتاعة الهيئة التأسيسية . . قالوا ناخذ الأصوات . . خدنا الأصوات وطلعنا بسبعة ضد واحد. سبعة ديكتاتورية وواحد ديموقراطية ، اللى هو جمال عبدالناصر . . تدخلت وقلت نعيد المناقشة تانى لأن الجو كان باين واضح أنه يعنى مشدود جدا جدا جدا وكل منا له حجته وسبعة ضد واحد ، وانفعال وشباب مش زى دلوقتى . . الزمن عمل فينا اللى عمله . . كان شباب متحمس ومنفعل ديكتاتوريا .

    طلبنا فتح باب المناقشة مرة أخرى بعد التصويت الأول لأنه كان واضح أنه حاننتهى إلى نهاية مش سليمة ووافق الكل على فتح باب المناقشة ساعتين ثانيتين مناقشة وفى نهاية الساعتين الثانيين بعد الثلاثة طالبوا بأخذ الأصوات سبعة ضد واحد مرة ثانية . . سبعة ديكتاتورية . . جمال بيقول لأ أنا عند رأيى . . عندئذ جمع جمال أوراقه . . المرة الوحيدة اللى تنحى فيها جمال قبل 9و10يونيو. . جمع أوراقه وقال ربنا يوفقكم بس إعلموا أن الطريق اللى بيبدأ بالدم لابد وأن ينتهى بالدم . . ولكن طبقا للايحة الهيئة التأسيسية أنا بأخضع لرأى الأغلبية وأنا ملتزم بيتى ولن آتى بأى شىء ضد الثورة ولا ضد عملكم ولكن مخلصا وكأخ و صديق أنا أقول لكم النهاردة الطريق ده حا يدمر كل شىء . . وجمع اوراقه وروّح بيته . . الكلام ده كان حوالى الساعة واحدة ونص يوم 27يوليو1952 ، فى غمرة الإنفعال والحماس اللى حصل ما حسبناش أبدا الحسبة دى إن جمال حا يسيبنا ويمشى أبدا . . أنا قلت لكم قبل كدة الهيئة التأسيسية اللى إحنا قاعدين دول اللى همّة مجلس الثورة اللى تحول لمجلس الثورة ده . . مين اللى جمعنا كل واحد على الثانى ؟ ما هوّا جمال . . مين اللى مكوّن الخلايا ؟ مين اللى يعرف الضباط الأحرار ؟ لعلمكم ليومنا هذا اللى يعلم عدد الضباط الأحرار الحقيقى . . جمال . . واللى يعلم مين خانته شجاعته ليلتها وما خرجشى . . جمال . . ولغاية ما مات ما رضاش يقول لنا على مين دول أبدا . . أبدا !

    كان فيه وفاء . . كان فيه أخلاق . . كان فيه مثل . . خرج جمال وعاد لبيته ، والله وكان زى ما بيقول المثل على رؤوسنا الطير . . قلنا نفتح المناقشة من جديد . . بدأنا نتناقش خدنا لنا ييجى ساعتين لقينانا بنلف فى دايرة مغلقة . . ليه ؟ إدينا مهلة ، الملهم ، المحرك ، مع إنه فى هذا الوقت كان جمال واحد مننا ، كلنا كنا تقريبا رتبنا واحدة ، سننا واحد ، دفعاتنا كلها تقريبا واحدة ومتقاربين من بعض ، زملاء على مستوى واحد . . لسّة ما كناش أحسينا بما فيه من ملكات ، لكن جمال منذ أن كان فى الكلية الحربية له طريقة خاصة . . كان له أسلوب خاص بيربط بينه وبين زملاؤه فيه إحترام وفيه ود وفيه صداقة . لكن جمال كان دايما متحفظ عند حد معين ، كلنا كنا ضباط صغيرين نتقابل فى الميس بعد متاعب النهار ، وبعد اللى كانوا بيعملوه فينا الضباط الكبار والبعثة العسكرية الإنجليزية و. . و. . و . . بنيجى فى الميس ، ( إستراحة الضباط فى المعسكر ) ، بالليل وننطلق . جمال كان متحفظ ، مش سهل إن الواحد ياخد عليه أبدا ، هوا له حدود . لما خرج زى ما بأقول لكم وراح لبيته فعلا ولمّ ورقه وقال أنا مستقيل من كل مناصبى بما فيها الجيش يعنى خلاص قاعد فى بيتى ، لا مجلس قيادة ثورة ولا أنا ضابط فى الجيش ولا حاجة أبدا ، وإتفضلوا ربنا يوفقكم بس إعملوا حسابكم إن ده طريق سينتهى نهاية مدمرة للبلد ولكم وللكل . دخلنا فى مناقشة ساعتين زى ما قلت لكم قعدنا فى دايرة مغلقة وفجأة قفلنا النقاش .

    أنا بأحكى هذا وكأنه واقع أمامى الآن . . فجأة قفلنا باب النقاش وقلنا إيه ؟ من غير المعقول إن جمال يسيبنا ويمشى ده هو المحرك الأساسى . . كان كل منا يخدم فى وحدة خارج القاهرة واللى بيخدموا فى القاهرة كانوا مشغولين فى أمورهم الخاصة ، والمتفرغ الوحيد اللى قاعد عشر سنين من 42 إلى 52 جمال عبد الناصر . . منشورات كان هو اللى بيعملها . . خلايا بيكونها . . ضباط بيتصل بيهم . . كل شىء زى الدينامو والمحرك ، وبعدين العلاقة الخاصة . . الخ والصديق والحبيب . . عندئذ عدنا إلى طبيعتنا . . تركنا هيلمان مجلس قيادة الثورة ، والثورة اللى نجحت وفاروق اللى طلعناه إمبارح ، والكلام ده كله وعدنا إلى طبيعتنا . . جمال الأخ والصديق والحبيب لازم يعود بأى ثمن ! .

    البعض منا قالوا ما الحل . . قلنا الحل إيه ؟ يعود جمال وليكن ما يكون . . بعد ذلك نفكر . . قبله لازم يعود جمال . . كانت الساعة ثلاثة صباحا ، اثنين منا راحوا عنده وجابوه من بيته الساعة ثلاثة صباحا وقعّدناه على كرسيه على رأس الترابيزة بتاعة مجلس قيادة الثورة . وعدنا إلى عملنا وكأن شيئا لم يحدث على الإطلاق . عندئذ فى هذه الجلسة قررنا حكاية تطهير الأحزاب اللى إنتوا لو عدتم إلى الصحف تقرؤوها وطلبنا من الأحزاب إنها تطهر نفسها ، ودخلنا فى السلسلة الطويلة اللى انتهت بأننا فى يناير 1953 ألغينا الأحزاب وبعد المناورات اللى حصلت وعدنا بدستور بعد ثلاث سنوات وخدنا لمجلس قيادة الثورة السلطة التنفيذية والتشريعية ثلاث سنوات من سنة53 إلى 56 ووعدنا بالدستور فى 56 اللى عملناه فعل وأجزناه فى سنة56 . أنا بأحكى القصة دى علشان أقول أو اطلع منها إن جمال ما كانش شخص عادى فى وسطنا ." .

    ( انتهت شهادة السادات ) .

    وفى أعقاب هذه الأزمة حول الديموقراطية والديكتاتورية وعودة جمال عبد الناصر إلى رئاسة مجلس قيادة الثورة تفجرت أزمات كثيرة كان محورها فى الغالب هو الصراع حول من يملك اتخاذ القرار السياسى فى الدولة ، وكان من أبرز هذه الأزمات الصدام الذى وقع بين محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة بعد أن ثبت أن محمد نجيب يعمل على جر الثورة وحركة التغيير ككل للارتماء فى أحضان قوى النظام القديم آلتى كانت قد شكلت جبهة عمل سياسى ضمت الإخوان المسلمين والشيوعيين والأحزاب القديمة والإقطاعيين وعناصر ارتبطت بقوى خارجية ، وكذا الأزمات المتكررة التى وقعت بعد ذلك مع الأحزاب السياسية القديمة وبعض التيارات الأيديولوجية كالإخوان المسلمين والشيوعيين ، والتى عجزت عن التكيف مع أهداف الثورة ورفضت توفيق أوضاعها مع المتغيرات الجديدة ، وظلت متمسكة بنفس أساليب العمل السياسى التى كانت تنتهجها قبل 23يوليو1952 ، ساعين فى نفس الوقت إلى محاولة شق الصفوف واستقطاب بعض عناصر الثورة .

    ومع نهاية 1954 كانت الأمور قد استقرت لصالح قوة الثورة بقيادة جمال عبد الناصر الذى انطلق لتحقيق الأهداف التى قامت الثورة من أجلها على الصعيدين الداخلى والخارجى ، وانطلق فى الوقت نفسه للبحث عن أهل الخبرة والكفاءة وذوى الفكر لتوفير قوة الدفع اللازمة لمخططات الثورة ، وكان المعيار الرئيسى الذى تحكم فى الاستعانة بهذه الكفاءات هو مدى قدرة الشخص على التجاوب مع الهدف الإستراتيجى والمساهمة فى إنجاحه وفقا لمواصفات المهمة المطلوبة فى كل موقع .

    ولقد كان عبد الناصر حريصا منذ البداية على الفصل بين الجيش والسياسة ، ففى أكتوبر 1953 جمع عبد الناصر كل الضباط الأحرار من أعضاء التنظيم ، وكان ذلك فى مبنى كلية أركان الحرب بكوبرى القبة وقال لهم :

    " من هذه اللحظة الكاكى هنا ـ وأشار بيده إلى الجانب الأيمن للقاعة ـ ، والمدنى هنا . . الكاكى يتفضل يروح الجيش لا تعرفنى ولا أعرفك . . ماليش دعوة بيك خالص ومالكش دعوة بى . . ولو تدخلت أو عملت أى حاجة ليست فى إختصاصك حا يكون فيه محكمة عسكرية . . المدنى يفضل مدنى ويلتزم بما يوكل إليه من مهام . " .

    وحدثت مواجهة صريحة بين قائد الثورة وأعضاء التنظيم حول كل الممارسات ومحاولات التدخل فى السياسة ، وأصر بحسم على الفصل بين العمل العسكرى والعمل المدنى .

    لقد بدأت الثورة تستعين بأهل الخبرة وذوى الكفاءات والفكر دون تفرقة بين مدنى وعسكرى ، وكان يجرى تصحيح الموقف باستمرار كلما بدت ملامح قصور ، ولم يمنع ذلك بالطبع من حدوث هذا القصور بل والانحرافات ، وهى طبيعة التجربة الإنسانية ، ولقد اعترف الرئيس جمال عبد الناصر بوقوع الانحرافات التى أكتشف بعضها فى حينه ولم يكتشف البعض الآخر إلا بعد فوات الأوان ، وأيضا أرى أن هذه أمور طبيعية لأننا كنا نتعامل مع بشر يخطئ ويصيب .

ـ 5 ـ

    أمثلة لمعايير اختيار الشخصيات للمناصب الكبرى أو الوزارة :

    ( من واقع كروت الترشيحات التى كانت تعد وتجدد باستمرار فى سكرتارية الرئيس للمعلومات وهى محفوظة فى أرشيف هذه السكرتارية فى منشية البكرى ) .

    عبد العزيز حجازى ـ اختير وزيرا سنة 1968 : ( ليس من أهل الثقة و العسكر )

    اقتصادى سياسى ـ نشط ـ ديناميكى ـ ملتزم ـ لديه القدرة على تحليل الأمور بعقلية سياسية متطورة ـ برز من خلال عمله كأستاذ وعميد لكلية التجارة جامعة عين شمس ـ قاد العمل السياسى فى هذه الكلية من خلال تنظيم طليعة الاشتراكيين وبمعاونة أعضاء التنظيم فى الكلية وفى الجامعة .ـ له رؤية مستقبلية عملية وعلمية ـ قادر على العطاء وحسن الأداء ـ شخصية قيادية هادئة وحاسمة فى نفس الوقت نظيف اليد ـ من أبناء بيان 30 مارس1968ـ اختاره و أشركه عبد الناصر فى الوزارة فى 20مارس1968 لتجسيد إرادة التغيير التى كانت هى عصب ومحور بيان 30مارس .

    عزيز صدقى ـ اختير وزيرا سنة 1956 : ( ليس من أهل الثقة و العسكر )

    عضو مجلس الإنتاج ـ برز اسمه من خلال المناقشات والأبحاث والآراء التى قدمها وطرحها وناقشها ـ تفكيره مرتب ومنطقى فى عرض وجهة نظره بأسلوب علمى وبرؤية مستقبلية ـ له رؤية شاملة للأمور ، ولا يحصر نفسه أو تفكيره فى نطاق محدود وضيق بل كانت توصياته واستنتاجاته تغطى كافة الجوانب المؤثرة أو المتأثرة بالموضوع الذى يتناوله أو يعرضه ( يرجع لمحاضر اجتماعات مجلس الإنتاج ) ـ شخصية قيادية ـ لديه القدرة على اتخاذ القرار فى التوقيت المناسب ـ يشكل دما جديدا وشابا وعنصر تغيير للشخصيات التقليدية التى كانت تتولى المناصب الوزارية ـ اختاره وأشركه عبد الناصر فى 28يونيو1956 فى الوزارة لتولى شئون الصناعة والتعدين والبترول بتكليف إستراتيجى واضح ومحدد وهو خلق صناعة مصرية ، وقد نجح فى تنفيذ التكليف ووضع القاعدة الصناعية المصرية ، متفهما لمشاكل الجماهير، كما قام زميلاه سيد مرعى بتدعيم القاعدة الزراعية وكمال رمزى إستينو بتدعيم خطوط الأمن الغذائى كقواعد استراتيجية لأمن المجتمع المصرى .

    ضياء الدين داود ـ اختير وزيرا سنة 1968 ( ليس من أهل الثقة والعسكر )

    كان محاميا وأمين الاتحاد الاشتراكى فى دمياط ، وعضو مجلس الأمة ـ تابع عبد الناصر نشاطه بداية من هيئة التحرير مرورا بالاتحاد القومى فالاتحاد الاشتراكى كما تابع مناقشاته فى مجلس الأمة ـ بعد هزيمة 67 وإصرار عبد الناصر على التغيير الشامل والتقاط الكوادر الوطنية ذوى التوجه القومى ـ قادر على أن يقول لآ عند اللزوم ـ ساهم فى إنشاء ناد للفلاحين فى تفتيش زراعة الأمير محمد عبد الحليم ونجح فى إنشاء رابطة لهم للحفاظ على حقوقهم وعدم الإذعان للظلم ـ حضر ندوة فى أخبار اليوم حضرها إحسان عبد القدوس ومحمود العالم وأحمد القصبى وأحمد سعيد ومحمود أبو وافية وعلوى حافظ وعبدالمولىعطية وكان ضياء فى هذه الفترة أمينا للجنة الحريات فى مجلس الأمة ، وفى هذه الجلسة هاجم علوى حافظ الثورة ورد عليه ضياء الدين داود حول خطأ مفهومه للثورة وأبان الفروق بين الثورة بمبادئها أو بين الأشخاص ، كما وضح الفارق بين النقد للهدم من خارج صفوف الثورة والنقد من داخل الثورة انطلاقا من الإيمان بها ـ قرر عبد الناصر أن يستعين به فى موقع وزارى وكان مرشحا لتولى وزارة الدولة لشئون مجلس الأمة وبعد مناقشة الرئيس له فى جلسة المفاتحة لتولى الوزارة قرر أن يسند إليه وزارة الشئون الاجتماعية حيث تطرقت المناقشة إلى موضوع تهجير أبناء قناة السويس ووضع ضياء اقتراحات محددة ـ رشح لعضوية اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى وفاز بعضويتها بجدارة حيث حصل على 104 صوتا ـ وهكذا صعد إلى قمة العمل السياسى من خلال عمله وجهده الشخصى وحده ، فلم يكن ضمن شلة ، كما أنه لم يكن مقيم بصفة أساسية فى القاهرة فقد ظل وحتى اليوم مقيما فى قريته " الروضة " التى بدا منها عمله ونشاطه السياسى .

    *محمد حلمى مراد ـ اختير وزيرا سنة 1968 ( ليس من أهل الثقة والعسكر )

    فى أعقاب أحداث الطلبة بعد 1967 وفى بداية1968 كان القرار بضرورة التغيير فى الأسلوب والأشخاص والأداء ، وكان حلمى مراد رئيسا لجامعة عين شمس ـ كان عضوا فى التنظيم الطليعى للجامعة التى كانت تتبع جغرافيا منطقة شرق القاهرة التى كنت أتولى قيادتها ـ وكانت هذه الجامعة من المراكز الإستراتيجية الهامة على المستويين الفكرى والجماهيرى علاوة على أن منظمة الشباب كانت فى هذه الجامعة ذات طابع مميز ومؤثر وناجح بشكل ملفت للنظر وكان العمل السياسى يسير فى الجامعة بشكل منسجم ومتكامل بأسلوب ديموقراطى مما شكل نسيجا أو سيمفونية ناجحة ـ كان موقف حلمى مراد أثناء أحداث الجامعة وبمعاونة التنظيمات السياسية فيها متماسكا واستطاع أن يحتوى الأزمة بأسلوب ديموقراطى وكسب القاعدة الطلابية بعيدا عن الوسائل الأمنية ـ فى هذه الفترة قال عبد الناصر ما نصه فى مجلس الوزراء :

    " إن الطلبة يصلون للجامعات وهم لا يعرفون القراءة والكتابة وأن كل بيت ألنها ردة جايب مدرس أو اثنين لأولاده ودى عملية لا يمكن لأحد أن يتحملها إلا الإنسان القادر ، وأنا حا أجيب واحد جامعى علشان يشوف الجامعات عايزة إية نوعية ، وإيه هى نقاط الضعف الموجودة فى التعليم العام حتى نقويه لأن المصاريف اللى إحنا بنصرفها فى المدارس والطلبة تطلع ما تعرفشى تقرأ وتكتب من الإبتدائى بعد ست سنوات تعليم .. تبقى فلوس بنرميها فى الأرض " . ـ

    هذا هو المعيار الذى حكم اختيار أستاذ جامعي لمنصب وزير التربية والتعليم وانطبقت الشروط علاوة على النزاهة ونظافة اليد وقوة الشخصية ، على د. محمد حلمى مراد . ـ وفى جلسة مفاتحته لتولى الوزارة ، وهى مسجلة ، تحدث حلمى مراد ضاحكا وقال : " سيادة الرئيس أنا كنت فاكر إنى حأتعين وزيرا للتعليم العالى . " فرد عبد الناصر شارحا له وجهة نظره التى سبق أن عبر عنها من قبل ، وقال له أن التعليم الأساسى مهم وعليك يا دكتور أن تصلح المنبع بما لديك من خبرات جامعية وآراء أثرتها حول مستويات الطلبة الذين يصلون إلى التعليم الجامعى .

    *بعد رحيل عبد الناصر كتب د . محمد حلمى مراد فى العدد 3234 بتاريخ16 أكتوبر1996 تعقيبا لمجلة آخر ساعة على مقال نشر فى شهر أكتوبر1996 حول حوار تم معى عن كيفية اختيار عبد الناصر لمعاونيه خاصا به واختياره وزيرا للتربية والتعليم وكيف خرج منها فقال :

    "تناولتم فى نهاية الحلقة الأولى كيف اختارنى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وزيرا للتربية والتعليم فى وزارته عند إعادة تشكيلها عام 1969 وكيف خرجت منها ،وذلك وفقا لشهادة السيد سامى شرف سكرتيره الخاص . .

    و تصويبا لبعض وقائع ما نشر فى هذا الشأن ووضعا للأمور فى نصابها للحقيقة والتاريخ فيما يلى بالحقائق التالية :

    إن أحدا لم يفاتحنى فى شأن الاشتراك فى وزارة الرئيس عبد الناصر قبل مقابلتى له شخصيا ، ومفاتحته لى مباشرة وعلى انفراد فى شأن تولى منصب وزير التربية والتعليم فى التشكيل الجديد للوزارة التى يرأسها . . وأعتقد أن هذا الترشيح جاء نتيجة الحوار الذى دار بينه و بينى حول المظاهرات الطلابية التى اندلعت عقب صدور الأحكام فى المحاكمات العسكرية التى أجريت لبعض قادة سلاح الطيران فى الاجتماع الذى دعا إليه رؤساء الجامعات المصرية بقصر القبة .

    لم يكن اعتذارى عن عدم قبول المنصب الوزارى الذى عرضه علىّ الرئيس عبد الناصر راجعا إلى رغبتى فى تولى منصب وزارى آخر ـ وهو منصب وزير التعليم العالى حسبما جاء فى رواية السيد سامى شرف بل لما أوضحته للرئيس عبد الناصر من أننى أفضل خدمة بلدى من خلال منصبى الذى أشغله وهو مدير جامعة عين شمس حيث أنه معادل فى درجته المالية لمنصب الوزير ، ويفوقه فى أنه لا يقتصر من الاختصاص على الإدارة التعليمية بل يختص بالإشراف على أكثر من مجال آخر كالإسكان بإشرافه على المدن الجامعية ، والصحة الطلابية من خلال المستشفيات الجامعية ، والاهتمام بالرياضة وتربية الشباب بالنسبة للأنشطة الرياضية والاجتماعية . هذا فضلا عن أن شاغله يتولاه حتى بلوغ سن التقاعد ولا يعتبر منصبا سياسيا مؤقتا كمنصب الوزير . . غير أن الرئيس عبد الناصر لم يقتنع بوجهة نظرى مقررا أن اختيارى للاشتراك فى الوزارة يعتبر تكليفا وليس أمرا متروكا لاختيارى حيث أنه لا يقبل ممن ينتقدون الأوضاع القائمة أن يعتذروا عند دعوتهم للعمل على تحقيق ما يطالبون به من إصلاح .

    وفيما يختص بتنفيذ بيان 30 مارس الذى قمت بالمشاركة مع الدكتور عبد العزيز حجازى وزير المالية بوضع البرنامج التنفيذى له . وكلفت بتقديم تقارير دورية عما تم تنفيذه منه على مستوى الوزارات المختلفة ، فقد قدمت تقريرين غير منشورين للرئيس عبد الناصر بنتيجة قيامى بهذه المهمة ، وكنت حريصا على أن أرسل صورة من كل تقرير بصفة شخصية إلى الوزير صاحب الشأن حتى يعرف ما كتبت عن وزارته فى هذا الشأن مستندا إلى ما تلقيته منهم من تقارير حول ما قاموا بتنفيذه دون السماح بإذاعة ما احتوته هذه التقارير فى الصحف .

    أما عن الحوار الذى دار بين الرئيس عبد الناصر وبينى فى جلسة مجلس الوزراء الأخير التى حضرتها ، فقد جرى حول خطابين مرسلين منى لسيادته ومكتوبين بخط يدى دون أن يطلع عليهما أحد فكان يتعلق أولهما بالخلاف الذى نشب بين نادى القضاة وبين وزير العدل وقتئذ الأستاذ السيد أبو نصير والذى كنت أنصح فيه بألا ينتهى هذا الخلاف إلى ما حدث بعد خروجى من الوزارة مما أصطلح على تسميته بمذبحة القضاء . . وكان الخطاب الثانى يتعلق باحتجاجى على منع نشر حديث صحفى كنت قد أدليت به إلى مجلة روزاليوسف حول تنفيذ بيان 30 مارس باعتبارى المكلف رسميا بمتابعة هذا التنفيذ ولم يتضمن أى مساس بأحد من السادة الزملاء الوزراء .ولكن الرئيس عبد الناصر لم يكن راضيا على مخاطبته برسائل كتابية مفضلا أن يخطر بما جاء فيها عن طريق مقابلته شخصيا أو الاتصال تليفونيا ، وخرج غاضبا من الجلسة معلنا أن التعاون معى أصبح أمرا غير ممكن. . وهو ما سوف أتناوله تفصيلا مع نشر هاتين الرسالتين التاريخيتين فى الكتاب الذى أراجعه حاليا لإصداره بإذنه تعالى بعنوان " 16 شهرا فى وزارة عبد الناصر " .

    وقد امتنعت بعد هذه الجلسة لمجلس الوزراء المنعقدة فى 7/7/1969 عن الذهاب إلى مكتبى بوزارة التربية والتعليم ، غير أننى لم أر أن أرسل للرئيس باستقالة كتابية من الوزارة كما فعلت فى مرة سابقة ولم يقبلها متمسكا باستمرارى فى الوزارة ثقة منه فى شخصى ، بل وطلب منى إعلان ذلك على الملأ . . وذلك حتى لا تتكرر الاستقالات من جانبى مما قد يظهرنى بمظهر غير الراغب فى الاستمرار فى أداء رسالتى ، وحتى أعطى الرئيس الفرصة لكى يتخذ قراره بنفسه بإعفائى من منصبى موضحا أسباب الإعفاء . . وهو ما تم فى اليوم الرابع الموافق العاشر من يوليو1969 بنشر قرار إعفائى من منصبى الوزارى ولكن دون بيان لأسباب هذا الإعفاء .

    إن ما ذكر على لسان السيد سامى شرف من أن الرئيس عبد الناصر كلفه بأن يكون على اتصال دائم بى بعد إعفائى من منصبى الوزارى ، وهو ما يقرر أنه كان يقوم به أسبوعيا إلى أن انقطعت عن الاتصال به فإننى لم أخطر بهذا الأمر ولم يتم عملا ولعل الأمر كان يخص شخصا خلافى ، واختلط الأمر على قائله نظرا لانقضاء ربع قرن من الزمان على ذلك . . وإن كان ذلك لا يمنع من أن أقرر أنه حرص على منحى جواز سفر دبلوماسيا للسفر إلى كافة بلاد العالم بعد خروجى من الوزارة عندما علم بعدم تمكينى من السفر إلى الخارج لحضور مؤتمر بصفتى رئيسا لاتحاد الاقتصاديين العرب وقتئذ .

    توقيع ( محمد حلمى مراد ) 

    وزير التربية والتعليم الأسبق ."

    وقد قمت من جانبى بالرد على تعليق الدكتور محمد حلمى مراد بالرسالة التالية والتى بعثت بها لمجلة آخر ساعة ونشرت فى العدد3236 بتاريخ30 أكتوبر1996 وكان نصها :

    " نشرت مجلة آخر ساعة فى عددها رقم 3234بتاريخ 16أكتوبر1996 فى الصفحة الخامسة عشر مقالا بعنوان " الدكتور حلمى مراد يكشف :

    خطابان بخط يدى إلى الرئيس عبد الناصر

    سبب إقالتى ."

    وتضمن المقال توضيحا من وجهة نظر الزميل الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد وزير التربية والتعليم الأسبق ، الذى أكن له كل التقدير ، حول اختياره وخروجه من الوزارة وفقا لشهادتى باعتبارى سكرتيرا خاصا للرئيس جمال عبد الناصر .

    وقد أخذت على نفسى ألا أرد على ما يكتب بالسلب أو بالإيجاب رغم أن كل الوقائع التى عاصرتها بتفاصيلها محفورة فى ذاكرتى وقد دونتها فى مذكراتى ، وخروجا على هذه القاعدة أحب أن أضع أمام القراء الحقائق التالية :

    أولا :

    لقد كان منصبى هو سكرتير الرئيس للمعلومات بدرجة وزير إلى أن عينت وزيرا للدولة .

    ثانيا :

    كنت مسئول تنظيم طليعة الاشتراكيين عن منطقة شرق القاهرة التى كان يتبعها أعضاء هذا التنظيم فى جامعة عين شمس ومن ضمنهم الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ، وأساتذة آخرين وطلاب أكثر .

    ثالثا :

    المعايير التى تم بناء عليها ترشيح واختيار الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد للوزارة هى :

    كفاءته وقدراته ونظافة يده .

    عضويته الفاعلة فى تنظيم طليعة الاشتراكيين .

    رغبة الرئيس جمال عبد الناصر فى دفع عناصر جديدة للعمل فى قمة المسئولية السياسية والتنفيذية .

    موقف الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ـ باعتباره رئيسا لجامعة عين شمس الرافض لمظاهرات الطلبة ومعالجته الأمور بطريقة سياسية .

    رابعا :

    إن مفاتحة الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد تمت على مرحلتين ، الأولى تمت تليفونيا منى أنا شخصيا ومن مكتب السيد على صبرى بحضور السيد شعراوى جمعة وحضر سيادته إلى مكتب السيد على صبرى فى مبنى الاتحاد الاشتراكى العربى بكورنيش النيل وكان سعيدا بالترشيح ، وبناء عليه تحدد له الساعة السابعة من مساء نفس اليوم لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر فى منزله بمنشية البكرى ، لمفاتحته رسميا .

    وكان الذين سيفاتحوا فى ذلك اليوم الأساتذة الدكتور عبد العزيز حجازى عميد كلية التجارة بجامعة عين شمس فى ذلك الوقت ، والدكتور عبد العزيز كامل والدكتور محمد صفى الدين أبو العز من أساتذة جامعة القاهرة والأستاذ ضياء الدين داود ، وآخرين بعضهم لم يدخل الوزارة .

    وليس من المنطقى أن يستدعى مسئول لمقابلة الرئيس فى مرحلة تعديل وزارى دون أن يكون لديه علم مسبق بذلك ، وهو ما قمنا به نحوه .

    خامسا :

    جلسات مفاتحة الرئيس جمال عبد الناصر لجميع المرشحين ـ والتى تمت لكل على انفراد ـ مسجلة ومحاضرها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى .

    سادسا :

    تمت ثلاثة مواجهات بين الرئيس جمال عبد الناصر والأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد فى جلسات ثلاثة لمجلس الوزراء ـ وهذه الجلسات مسجلة ومحاضرها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى ـ علاوة على أن أغلب شهود هذه الجلسات من الزملاء الوزراء على قيد الحياة ـ أطال الله فى أعمارهم ـ وهم على سبيل المثال الأساتذة :

    الدكتور عزيز صدقى والدكتور عبد العزيز حجازى والدكتور محمد صفى الدين أبو العز والسيد أمين حامد هويدى والسيد محمد فائق والفريق أول محمد فوزى والسيد ضياء الدين داود .

    كما سجل هذه الجلسات بخط يده السيد عبد المجيد فريد .

    والذين أتمنى أن ينشطوا ذاكرة الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد حول ما دار فى هذه الجلسات .

    سابعا :

    أحد السادة الوزراء ـ وهو حى يرزق ـ اصطحب الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد إلى حديقة الميريلاند بمصر الجديدة بعد أول مواجهة فى مجلس الوزراء ونصحه فى حديث طويل تناول الأسلوب الذى يتعامل به الوزراء فى مجلس الوزراء إما مع الرئيس أو مع الزملاء الوزراء من أعضاء مجلس الوزراء .

    ثامنا :

    الأستاذ محمد حسنين هيكل كان يجلس معى فى مكتبى بالقصر الجمهورى بالقبة واستمع إلى ما دار فى هذه الجلسات وأخذ نقاط كاملة بما دار فيها .

    تاسعا :

    النقاط التى دارت حولها المواجهات بين الرئيس جمال عبد الناصر والأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد تتركز حول العناصر الآتية دون ما الدخول فى تفاصيل أحتفظ بها للوقت المناسب :

    الحد من الدعاية الشخصية من جانب السادة الوزراء ولتتحدث الأعمال .

    ( وفى أول مواجهة لم يسمّ الرئيس جمال عبد الناصر أحدا بالاسم ، وإن كان جميع الحضور فهموا من هو المقصود ) .

    عدم إفشاء أسرار ما يدور فى قاعة مجلس الوزراء تحت أى مسمى وبأى وسيلة .

    لقد كان الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد من أكثر الوزراء الذين يتصلون بالرئيس جمال عبد الناصر تليفونيا وربما أكثر من مرة فى اليوم الواحد ، بالإضافة إلى المقابلات الرسمية والغير رسمية وفى منزل الرئيس بمنشية البكرى .

    استخدام بعض وسائل الإعلام كوسيلة لفرض آراء أو الترويج لوجهات نظر بعينها .

    ضرورة التنسيق العرضى بين الوزراء وخصوصا الذين كانوا أعضاء فى لجنة متابعة تنفيذ بيان 30 مارس .

    والأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد استخدم أسلوبا حزبيا قديما بأن اتخذ من هذه اللجنة وسيلة لمراقبة أعمال زملائه الوزراء ومهاجمتهم  .

    عاشرا :

    التقرير الذى تقدم به الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد متعلقا بالأوضاع فى نادى القضاة كان خارج إطار تكليفات مجلس الوزراء بل كان تكليفا خاصا وكان إجراء تطوعيا من جانب الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ووافق عليه الرئيس جمال عبد الناصر .

    حادى عشر :

    لقد كان باب الرئيس جمال عبد الناصر ومكتبه مفتوحين فى أى وقت وفى أى ساعة لمقابلة الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ، كما كانت تعليمات الرئيس للسيد محمد أحمد السكرتير الخاص للسيد الرئيس ، ولى شخصيا أن يتم توصيل أى مكالمة يطلبها هو أو غيره من الوزراء مع الرئيس .

    ثانى عشر :

    الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد كان قد أسرع فى الوصول إلى مكتبى فى منشية البكرى طالبا مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر عقب انتهاء جلسة مجلس الوزراء و التى قال فيها للأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد " أن التعاون معه أصبح غير ممكنا " .

    ثالث عشر :

    كلفنى الرئيس جمال عبد الناصر فى نفس الليلة بالاتصال بالأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد وقد طلبته فى صباح اليوم التالى ، ولكنه لم يكن متواجدا بمنزله وتم الاتصال به فى منزل المرحوم الأستاذ أحمد حسين وأبلغته بأن الرئيس أمرنى بمداومة الاتصال به ، واتفقنا على اللقاء يوم الأحد التالى وتم فعلا هذا اللقاء ، ثم انقطع سيادته إلى أن أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بإسناد الإشراف على الرسائل الجامعية فى جامعة عين شمس للأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ، كما صدرت التعليمات لوزارة الخارجية لمنح سيادته جواز سفر دبلوماسى .

    رابع عشر :

    أما ما أشار إليه الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد من خطابات بعث بها للرئيس جمال عبد الناصر فإنى آمل أن تكون موثقة ، فالمعروف أن أى أحد يستطيع أن يدعى أنه بعث برسالة لأى شخص ليسجل بها موقفا الآن وبعد مرور ربع قرن دون ما يتوفر لديه ما يثبت صحة هذه الرسالة فى ذلك الوقت .

    خامس عشر :

    أخيرا فإنى بتأكيد ما سبق ، أعتقد أننى قد وضحت كثيرا من الأمور التى لم يتناولها الحوار الذى أجراه معى الأستاذ عبد الله إمام والذى صدر فى شكل كتاب " كيف كان عبد الناصر يحكم مصر " ، والذى لم يشمل كل الوقائع ولا كل التفاصيل ، فإنى أعتبر أن باب التعليقات فى هذا الأمر من جانبى منتهيا ـ فى المرحلة الحالية ـ بهذا الإيضاح .

    كما أرجو أن أكون قد وضعت أمام الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد بعض الحقائق التى ربما يكون قد نسيها لطول المدة .

ومع كل تقدير للزميل الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد

أرجو أن أكون قد وفقت فى الإيضاح .

توقيع ( سامى شرف )

وزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق

مصر الجديدة فى23أكتوبر1996 ."

    وقد عقب الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد على ردى عليه بقوله : " إن السيد سامى شرف ما زال يتمتع بذاكرة قوية جدا ، وما كنت أعتقد أنه ما زال يذكر هذه التفاصيل بعد هذه المدة الطويلة . " .

    ملحوظة من المؤلف :

    ولسوف يجد القارئ الكريم فى الملحق الوثائقى صورة من توجيه فى شكل كتاب دورى أصدره الرئيس جمال عبد الناصر حول ميل بعض الوزراء للتحدث إلى الصحف بطريقة مبالغ فيها ولأهداف الدعاية الشخصية ، وحدد فى هذا التوجيه كيفية التعامل مع أخبار الوزارات بشكل واضح .

ـ ثالثا ـ

آليات صنع القرار وهياكله

    شهدت الفترة من 1952 وحتى يناير1956 سيطرة كاملة من جانب مجلس قيادة الثورة على عملية صنع القرار فى مصر حيث كان فى حالة اجتماع شبه مستمر ويطرح عليه و يناقش كل القضايا الداخلية والخارجية بكل التفصيلات حتى الصغيرة منها ، ويفرض أيضا إشرافه المباشر على تصرفات مجلس الوزراء وبعض المؤسسات الأخرى فى الدولة ، وكان لجمال عبد الناصر دور متميز فى توجيه هذه العملية بحكم ثقله بين باقى الأعضاء وقيادته المتفردة للثورة ، كما كان لبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين يتولون مناصب وزارية دورا مهما فى دفع العمل التنفيذى ووضع مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

    أما بعد يناير 1956 ، وبعد إقرار الدستور أصبحت عملية صنع القرار تتخذ شكلا مؤسسيا بدرجة أكبر خاصة بعد أن توزع عدد كبير من أعضاء مجلس قيادة الثورة على بعض المواقع التنفيذية بما فى ذلك عضوية مجلس الوزراء .

    كانت مؤسسة الرئاسة بمثابة المطبخ السياسى الأول والأكبر فى نظام عبد الناصر ، فمنها تنطلق الأفكار والمقترحات وإليها تصدر التوجيهات بإعداد تقديرات الموقف ، وبواسطتها يتم بلورة كل الرؤى الصادرة عن مختلف المؤسسات الدستورية فى الدولة فضلا عن اتجاهات الرأى العام والمساهمات الخاصة لبعض كبار المفكرين والإستراتيجيين .

    وكانت هذه المؤسسة تعمل وفقا لروح الفريق ، وأخذت تتطور وتنمو تدريجيا منذ عام 1955 قبيل صدور الدستور ، وتولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية ، وسوف أتتناول فيما يلى المسارات المختلفة لعملية صنع القرار بعد أن تعرضت بالتفصيل لدور مؤسسة الرئاسة فى الفصل السابق ، كما أرجو الرجوع إلى ما أوردته فى فصل التنظيم السياسى حيث يعتبر مكملا ولا يتجزأ عن عملية اتخاذ القرار لما حوته مناقشات الرئيس عبد الناصر مع كافة تنظيمات الاتحاد الاشتراكى من المؤتمر العام إلى اللجنة المركزية إلى اللجنة التنفيذية العليا ، حول القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية وكيفية معالجة السلبيات ودعم الإيجابيات واتخاذ القرارات بعد المناقشة الديموقراطية المستفيضة لهى تعبير عما كانت تجسده تجربة عبد الناصر الإنسانية .

    والملحق الوثائقى يشمل بعضا من محاضر جلسات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى والتى توجد لدى مضابطها كاملة ، وهى واحد وثلاثون جلسة ، بما فيها بعض المحاضر التى اعتبرت سرية ولم تفرغ شرائط تسجيلها لسريتها فى ذلك الوقت ، ولكنى أدعو بل ألح على الباحثين ومن يريدون معرفة الحقيقة ومن يدعون أن تجربة عبد الناصر كانت فردية وأحادية اتخاذ القرارات ، أدعو كل هؤلاء لقراءة هذه المحاضر قراءة مدققة للحكم على هذه التجربة .

دور مجلس الوزراء فى نظام عبد الناصر

    لم يكن مجلس الوزراء كما يتصور البعض ـ من واقع الكتابات اللاحقة لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر ـ يضم مجموعة من السكرتيرين المساعدين لعبد الناصر أو المنفذين لكل ما يرد إليهم من مؤسسة الرئاسة ، بل على العكس كان عبد الناصر يعتبره المطبخ السياسى الأول والأوسع لكل القرارات والسياسات الكبرى التى تخدم مسيرة التنمية فى جوانبها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أى بالمفهوم الشامل لكلمة التنمية .

    إن قيادة الثورة بحكم التطور الطبيعى للأمور كانت تتولى طرح الرؤية الإستراتيجية البعيدة ويقوم مجلس الوزراء بترجمة هذه الرؤية إلى سياسات وإجراءات بعد أن يتم عرض ما يستحق العرض منها على مجلس الأمة ومواءمتها مع القانون والدستور . وكان مجلس الوزراء من جانبه يحيل إلى رئاسة الجمهورية أية صعوبات سياسية قد تواجهه ويستدعى بالتالى تدخل الرئاسة سواء لتصحيح المسار أو توفير الموارد أو فتح قنوات للتعامل والدعم الخارجى تخدم فى احتواء هذه الصعوبات .

    ويجب أن أقرر هنا أن قرار السياسة الخارجية كان يخضع بالكامل لإرادة جمال عبد الناصر وفريق العمل المصاحب له سواء كان هذا الفريق يضم قيادات ثورة يوليو أو مؤسسة الرئاسة أو وزارة الخارجية أو المخابرات العامة ، وكانت المبادئ العامة التى أرستها الثورة فى التحرر وعدم الانحياز وبناء النظام الإقليمى العربى النشيط وممارسة دور متميز لمصر على الصعيدين الإقليمى والعربى والعالمى ، كانت تتمثل فى مجموعها المرجعية الفكرية لعمل هذا الفريق .

    ولا أذكر أنه وقعت صعوبات أو تصادمات بين أجنحة هذا الفريق مهما كانت مواقعها أو انتماءاتها ، وعندما بدا فى الأفق احتمال وقوع هذه الصعوبات عندما تولى محمود رياض وزارة الخارجية وكان فى الأصل جزء من مؤسسة الرئاسة قبلها ، تم الاستجابة لطلبه بإلغاء عدد من المكاتب الاستشارية الملحقة بمكتب الرئيس فيما عدا مكتب الشئون الإفريقية الذى كان يتولى مسئوليته محمد فائق وآثر الرئيس استمراره فى العمل تحت إشرافه المباشر حتى يكفل له الديناميكية اللازمة .

    ومن نفس المنطلق ـ الإشراف المباشر على السياسة الخارجية ـ كان لجمال عبد الناصر صلات مباشرة مع عد من السفراء المصريين فى عدد من العواصم المهمة يتلقى منهم ويبعث إليهم بتوجيهاته من خلال وسيلة اتصال مباشرة مع سكرتير الرئيس للمعلومات ، كما كان يلتقى بهم فى جلسات مطولة فى بيته كلما حضر واحد منهم للقاهرة سواء للتشاور أو فى إجازة ، كذلك كان له مبعوثيه الشخصيين وقنواته الخلفية التى سيأتى الحديث عنها فيما بعد .

    ( الملحق الوثائقى يتضمن بعض من هذه الرسائل التى كان يتم تبادلها بين بعض السفراء وبين سكرتير الرئيس للمعلومات سامى شرف )

    وكانت هذه العمليات المتعلقة بالسياسة الخارجية تصب كلها لصالح المواطن المصرى فى الداخل سواء فى خدمة عملية التنمية أو تأمين كرامته فى الداخل أو فى الخارج أو تدعيم سيادة مصر واستقلالية قرارها .

وهو نفس الوضع الذى يجرى تطبيقه فى غالبية دول العالم ويستمر العمل به فى مصر حتى اليوم .

    أما قرارات السياسة الداخلية فقد كان مجلس الوزراء مسئولا عنها بالكامل ، وكان دور مؤسسة الرئاسة يقتصر على المهام الثلاثة التالية :

    الأولى : بلورة الرؤية واقتراح السياسات ومواءمتها مع احتياجات البلاد وتوافقها فى الوقت نفسه مع النظم القانونية السائدة ثم الانتقال بها إلى مجلس الوزراء لتوسيع نطاق البحث وتحويلها إلى مشروعات قرارات تتسق والخطة العامة للدولة قبل أن يتم تحويلها بالتالى إلى مجلس الأمة أو تحويلها إلى إجراءات تنفيذية إذا كانت تندرج ضمن الاختصاص الدستورى للسلطة التنفيذية .

    المهمة الثانية : هى نقل الواقع المعاش فى الشارع المصرى سواء كان فى شكل مردود السياسات المتبعة ومضاعفاتها على أحوال المواطنين النى وضع لها نظام محكم بحيث يتم من خلاله تحويل الشكاوى الفردية إلى سياسات تخدم أكبر عدد من المواطنين ، يضاف إلى ذلك الجولات الميدانية التى كان يقوم بها عبد الناصر للإطلاع المباشر على أحوال الناس واتخاذها وسيلة لتوفير الإنذار المبكر لأية أزمات أو احتمالات قادمة .

    والمهمة الثالثة : كانت متابعة تنفيذ السياسات والقرارات فى مختلف المواقع ، وكانت سكرتارية الرئيس للمعلومات هى المكلفة بهذه العملية تحت الإشراف المباشر بل وتوجيه الرئيس جمال عبد الناصر كما سبق أن أوضحت . كما كانت أجهزة المخابرات العامة والرقابة الإدارية والجهاز المركزى للمحاسبات تلعب دورا مهما فى هذا المجال ، وخاصة فى مجال كشف أى صور للقصور أو الفساد فى أجهزة الدولة ، وينسحب نفس الكلام على كل من جهاز مباحث الأموال العامة والجهاز المركزى للمحاسبات .

    وسوف أتعرض فى هذا الجزء إلى عدة أشكال من صنع القرار ونماذج لها ، وهى الاحتكاك الميدانى المباشر واجتماعات مجلس الوزراء والقنوات الخلفية .

    التحرك الميدانى المباشر والتواصل مع الجماهير

    استخدم الرئيس جمال عبد الناصر وسيلة التواصل المباشر مع الجماهير والتعرف على نبض الشارع المصرى ومطالبه وتطلعات رجل الشارع العادى فيما يمكن أن نسميه " بالديموقراطية المباشرة " ، وهى تنبع أساسا من نشأته الأولى فى أوساط الطبقة الفقيرة فى المجتمع ، والتى لم تتمكن من توصيل صوتها إلى صناع القرار فى عهود ما قبل الثورة وتركت فريسة لمجموعة من الإقطاعيين أو كبار الملاك أو كبار الموظفين وقادة الأحزاب بحيث لا يثبت وجودها إلا فى فترات الانتخابات واحتدام الصراع الحزبى والتى كان يغلب عليها فى معظم الأحوال سمات الزيف والخداع .

    لقد تحدث عبد الناصر منذ اليوم الأول للثورة عن هذه الطبقة باعتبار أن إصلاح أحوالها يمثل الهم الأساسى للحركة الجديدة ، وكان يستقى معلوماته عن أحوال الفقراء وعامة الشعب من مصادر متعددة . وأول هذه المصادر كان يتمثل فى الجولات الميدانية التى كان يقوم بها منفردا دون أى ترتيب مسبق . فقد كانت تعليماته الصريحة والمشددة تقضى بعدم مصاحبة أية حراسة له فى هذه الجولات وعدم إبلاغ وزارة الداخلية بتحركاته الخاصة هذه التى كانت تتم أيضا بركوبه سيارة خاصة صغيرة يقودها بنفسه فى كل الأحيان وكانت فى أغلب الجولات الميدانية هذه تتم فى سيار نصر 1100 .

    عندما كان عبد الناصر يقوم بهذه الزيارات الميدانية كنت اجلس فى مكتبى ومعى شعراوى جمعة فى حالة من القلق والتوتر إلى أن يعود إلى منشية البكرى ، ويبدأ فى إصدار تعليماته وفقا لما أطلع عليه خلال الجولة .

    وكان الرئيس جمال عبد الناصر يقول إن أية هموم يمكن حلها فى مجلس الوزراء أو فى مجلس الأمة أو من خلال العلاقات الدولية ، ولكن هموم المواطن العادى ومشاكله لن تحل من خلال التقارير ، وهذا ما كان يدفعه للنزول إلى الشارع بنفسه فى سيارة عادية خاصة من النوع الصغير والتى يصعب التعرف عليه داخلها وكان يختار مناسبات معينة للقيام بمثل هذه الجولات كالأعياد الدينية أو شم النسيم أو خلال سهرات شهر رمضان أو مع بدء العام الدراسى وهكذا ، وذلك ليجوب المناطق الشعبية دون برنامج مسبق ليتابع بعينيه وبنفسه تصرفات وسلوكيات الرجال والشباب والأطفال والنساء وملاحظة ملابسهم ونوعياتها وألوانها وتعبيرات الوجوه وألعاب الأطفال ( المراجيح مثلا وغيرها ) ، ويقارن بين المناسبات وبعضها وماذا كان عليه الحال فى العام الماضى ، وكذا يرصد موقف الشرطة والجهات الإدارية من الجماهير وبصفة خاصة من الباعة الجائلين .

    كان من بين ملاحظاته على سبيل المثال قوله : " السنة دى البنات لابسين فساتين ذات ألوان زاهية بعكس السنة اللى فاتت كان لونها غامق فى الغالب ، وكانت هذه الملاحظة تندرج تحت بند قياس الحالة المعنوية للشعب . . مراجيح الأطفال تحتاج لرقابة أكثر حتى لا تقع حوادث . . يجب تشجيع زيادة ألعاب الأطفال وخاصة الكورة الشراب فى الأماكن المفتوحة والساحات الشعبية ومراكز الشباب وعلى التنظيم السياسى أن يرتب لها مسابقات وينظم هذه الرياضات بين الشباب . . الساحات الشعبية فى حاجة إلى تنظيم ودعم وكذا وكذا . .

    وفى إحدى الجولات وعند تقاطع شارع رمسيس مع شارع الملك ( مصر والسودان حاليا ) حدث أن استوقفته إشارة المرور وتصادف أن وقف إلى جواره سيار تاكسى تعرّف سائقها على عبد الناصر فحياه بتلقائية ودون أن يدرى هتف بصوت عال بحياة الرئيس مما لفت أنظار باقى السيارات والمارة فى الشارع وكانت مظاهرة . . الكل يحاول أن يحييه ويسلم عليه يدا بيد وكادت حركة المرور أن تتوقف فى هذه المنطقة المزدحمة . . ولم ينقذ الموقف إلا مرور إحدى سيارات شرطة النجدة فتولت فتح الطريق أمام سيارة عبد الناصر حتى وصل إلى منشية البكرى ومن خلفه عدد من السيارات الخاصة والتاكسى الأخرى التى أصر أصحابها على مرافقته وكأنه موكب رسمى ولكنه كان موكبا شعبيا كله حب وأحاسيس دافئة .

    وفى كثير من الأحيان كان عبد الناصر يميل إلى استقاء معلوماته من مصادرها الأصلية . ففى أحد الأمسيات وعلى الخط الساخن اتصل بى وكلفنى بجمع عينات من أرغفة العيش التى يتم إنتاجها من المخابز التابعة للدولة ، وأن يتم هذا التجميع من مناطق مختلفة من مدينة القاهرة ، وقد قمت فعلا وبواسطة عناصر من التنظيم الطليعى بتجميع العينات المطلوبة من مصر الجديدة والوايلى والزيتون والمطرية وشبرا وروض الفرج والدرب الأحمر وحلوان ، وفى اليو م التالى كان موعد الاجتماع الدورى لمجلس الوزراء وقد افتتح عبد الناصر الجلسة بقوله : " أنا عندى صورة واضحة تماما عن حياة الموظف العادى لا لبس فيها ولا نقاش . الناس تعبانة فى بند اللبس وبند الأكل وبند الإنتاج الصناعى الذى يستخدمه المواطن العادى . . ثم طلب الشنطة التى كانت تحوى عينات العيش ووضعت على مائدة الاجتماعات أمام الوزراء ثم التفت عبد الناصر إلى وزير التموين كمال رمزى إستينو وسأله مستنكرا : " تقدر تأكل الرغيف ده يا دكتور كمال ؟! " .

    فرد الوزير : " لا يا ريس ."

    فقال له الرئيس : " ما هوا ده اللى بتطلّعه مخابزك . . وإذا كنت لا تقبل أن تأكله وأنا لا أقبل بالتالى فكيف بالله عليك تقبل إن الناس تأكله . . البنى آدم العادى بيشترى كام رغيف فى اليوم ؟ على الأقل عشرة أرغفة فى المتوسط إن لم يزد . . هل هذا رغيف عيش يؤكل ؟ ـ عارضا الرغيف على الحضور ـ . . يا دكتور كمال . . عندك 48 ساعة لتصحيح هذه الأوضاع ، وإلا سأضطر لاتخاذ قرارات بنفسى لتصحيح الأمر .

    وحدث أن قل المعروض من الحلاوة الطحينية فأثار عبد الناصر الموضوع فى إحدى جلسات مجلس الوزراء قائلا للوزراء المختصين : " يا إخواننا الراجل الفقير حا ياكل إيه ؟ رغيف العيش وحتة الحلاوة وحتة الجبنة . . مش كدة ولاّ إيه ؟ طيب إذا عجز الحكم عن توفير تقديم الجبنة والحلاوة الطحينية للناس فعلينا أن نروّح ونتخلى وييجى غيرنا يحكم !" .

    وفى إحدى جلسات مجلس الوزراء التى تصادف انعقادها مع بدء العام الدراسى التفت عبد الناصر إلى الدكتور عزيز صدقى وزير الصناعة فى ذلك الوقت قائلا له : " يا دكتور عزيز السنة الدراسية بدأت .. وأسعار الملابس يا دكتور عزيز المنتجة محليا خيالية ، ونار زى الناس ما بتقول وبيكتبوا لى فى جواباتهم ! مين يقدر يشترى الفانلة بجنيه ؟! ثم استفسر تفصيلا عن أسعار باقى كل ما يلزم الطلبة والطالبات من ملابس مثل البلوفرات والقمصان والمرايل والبنطلونات والجوارب والجزم والأدوات المدرسية من أقلام وكراريس وكتب وغيرها . . إزاى يبقى سعر البلوفر جنيه أو جنيهين . . والشراب ربع جنيه والقميص خمسين قرش .. يعنى لو واحد عنده خمسة أولاد حايحتاج لعشرين جنيه أو ثلاثين جنيه لشراء بلوفرات وشرابات فقط !! كيف يحدث هذا ؟ وكام حا يدفع الموظف علشان يشترى هدوم ولبس وجزم ومساطر واساتيك وكراريس الخ لأولاده وبناته لدخول المدارس؟ . . إن لم تعمل على تخفيض أسعار المنتجات دى أنا حا أضطر إنى أعمل اتفاقية مع الصين لاستيراد الملابس منها حا تكون أرخص من ملابسك وكمان حا أدخل كرئاسة دولة منافس لك فى إنتاجك و حا أرفع الدعم اللى بنديهولك . . عليك أن تحسن الإنتاج وتخفض الأسعار . . وبالمناسبة الناس اللى قادرة تبقى تفتح لهم فرع خاص فى ميدان سليمان باشا وتستورد لهم المنتجات الأجنبية اللى هما عايزينها ! " .

    ثم التفت إلى وزير التربية والتعليم قائلا : " عايزك تحد من تغيير ملابس الولاد والبنات كل سنة لأنها عملية مكلفة وبتشكل أعباء كبيرة على الآباء وعلى الطبقات الفقيرة ." .

    كان عبد الناصر يهتم بصفة خاصة جدا بالحالة التموينية والإحتاطيات المتوفرة من السلع الإستراتيجية والضرورية ، وكان هناك تقريرا يعد يوميا يعرض عليه ويوضح الموقف التموينى والمخزون والاحتياطى من هذه المواد والسلع وبصفة خاصة :

    القمح ـ الدقيق ـ السكر ـ الحلاوة الطحينية ـ الجبن ـ الأرز ـ العدس ـ الصابون ـ الشاى ـاللحوم ـ الزيوت ـ زيوت التشحيم ـ البنزين ـ السولار ـ … الخ .

    وفى ضوء هذا التقرير يتخذ القرارات الفورية لتدبير الموارد اللازمة من عملات محلية أو عملات صعبة لتغطية أى أوجه نقص فى هذه السلع والمواد ، وكانت القاعدة هى الاحتفاظ برصيد من القمح ( رغيف العيش ) يكفى لثلاثة شهور على الأقل ، وكان يوجه تأشيراته للوزراء بناء على هذا التقرير ومن نماذج ذلك على سبيل المثال :

    " وزير التموين لشراء أو للتعاقد على كذا طن قمح مثلا أو أى سلعة أخرى قد يكون مخزونها قد بدأ يتجه نحو النقصان عن المعدل المعقول للاستهلاك أى بالسالب " .

    " وزير الصناعة مخزون البترول لا يكفى وعليك زيادة الإنتاج مثلا أو التعاقد على كذا وكذا .. أو العمل على استيراد كذا وكذا من الخامات أو مستلزمات الإنتاج .. الخ . " .

    وكان يتم إبلاغ هذه التأشيرات فى نفس اليوم بالاتصال التليفونى مع الوزير المختص ثم تؤيد هذا الحديث التليفونى بخطاب . وفى بعض الأحيان كان الوزير المختص يتحاور مع الرئيس تليفونيا حول وضع معين ، والعكس صحيح من جانب الرئيس للوزراء دون ما انتظار لانعقاد جلسة مجلس الوزراء العادية ، ثم يصلان إلى حل لينفذ ، ودائما كانت هذه الاتصالات التليفونية أو الحوار التليفونى بين الرئيس وأى وزير أو العكس يؤيد ما تم الاتفاق عليه بخطاب مكتوب يصدر من سكرتير الرئيس للمعلومات إلى الوزير المختص ، ونماذج هذه الخطابات يمتلئ بها أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرى . وفى الوقت نفسه كان عبد الناصر يحث المسئولين على الاتصال به أو طلب مقابلته بلا تردد أو خجل وذلك لبحث ما لديهم من مشاكل أو مسائل هامة أو عاجلة قبل أن تتعقد الأمور فيما لو تركت المشاكل معلقة أو تنتظر انعقاد الجلسات العادية لمجلس الوزراء ، وكان جمال عبد الناصر يقول للوزراء جميعا فى هذا الصدد : " لا تتردد فى الاتصال بى فى أى وقت أو تطلب لقائى . . وإن ما لقيتش سامى فعندك محمد أحمد . . كما أنه كان يوجد طوال الوقت خط ساخن وشبكة اتصال تليفونية مباشرة بين الرئيس وجميع الوزراء P A B X .

    وبرغم بعض الظروف التى كانت تخضع لضغوط سياسية معينة من الخارج فإنه لم يحدث أى عجز فى المواد التموينية الرئيسية وكانت السيطرة كاملة على الأسعار فى السوق المحلية طول الوقت .

    كان من ضمن التقارير الدورية ما يتعلق بالصحة العامة للمواطنين ومدى توافر الأدوية والأمصال والعلاج فى المستشفيات الحكومية بالمجان وأعنى كلمة بالمجان بمعنى لا رسوم ولا تمحيكات بيروقراطية أو مكتبية أو إدارية تحت أى مسمى لتحصيل مليم من اى مواطن تحت بند العلاج فى المستشفيات الحكومية . وكانت أغلب الدول العربية والإفريقية علاوة على بعض الدول الآسيوية كذلك ، تعتمد على إنتاج مصر من الأمصال والأدوية وقد اشتهرت برخص ثمنها وجودة إنتاجها منافسة بعض المنتجات الأوروبية والأمريكية لدرجة أنه كانت هناك محاولات كثيرة للتجارة الغير مشروعة فى هذه الأدوية والأمصال بواسطة بعض المهربين الدوليين ولكن كانت هذه المحاولات تفشل فى مهدها .

    وفوق كل هذا وذاك فقد كان عبد الناصر يضع تحت يده دائما نوتة " لوس ليف " يدون فيها ملاحظاته وأهم توجيهاته وتعليماته للوزراء والمسئولين ولنا كمعاونين ليعود فيتابع السؤال بعد فترة زمنية عن ما تم تنفيذه وأسباب عدم التنفيذ وتذليل أى عقبات قد تحول دون إتمام ما أتفق عليه من قرارات وسياسات وتعليمات كما كانت تتم عملية متابعة للمتابعة أيضا بعد فترة زمنية أخرى يقدرها هو أو يكون قد أعطى تعليمات محددة للتنفيذ فى زمن معين فيعود لمتابعة المتابعة من خلال الاتصال المباشر أو من خلال تكليف سكرتير الرئيس للمعلومات بمتابعة المتابعة للتنفيذ . وكان يوجد ، بهذه المناسبة ، سجل مطبوع لدى السكرتارية يدون به ملخص للموضوع والتاريخ والتأشيرة التى أمر بها الرئيس ثم كانت هناك خانات أخرى للمتابعة ومتابعة المتابعة وعندما يتم التنفيذ بشكل نهائى يسجل كتابة وتقفل صفحة الموضوع بعد إبلاغ الرئيس بذلك . أما إذا ظل الموضوع معلقا ولم يتم التنفيذ بعد ذلك فكنت أحرر مذكرة منفصلة للرئيس موضحا بها تفاصيل الخطوات التى تمت والتى حالت ظروف معلومة أو مجهولة دون تنفيذها ليقوم الرئيس بمحاسبة المسئول لتحديد أسباب التأخير أو عدم التنفيذ وذلك فى إطار محاولة لإيجاد حل للمشكلة أو تعرض على مجلس الوزراء أو يصدر لحلها تشريع مثلا وهكذا . وقد حدث فى أكثر من مرة أن فوجئت بتليفون من عبد الناصر ليسألنى عن الموضوع الفلانى الذى عرض عليه من قبل وليستفسر منى عما تم أو ليقول لى مثلا فى صفحة ثلاثة من الموضوع الفلانى كان مكتوب كذا وكذا اعرضه على مرة ثانية لإعادة بحث هذه النقطة ـ ويكون هذا نتيجة ظروف جدت تستدعى إعادة النظر بشكل جديد فى موضوع سبق عرضه واتخذ فيه قرار محدد .

    وسوف أعرض على القارئ الكريم فيما يلى نماذج من تأشيرات وملاحظات وتوجيهات سجلها الرئيس جمال عبد الناصر وصدرت إلينا كتعليمات أرسلت للوزراء المعنيين كل فى مجال اختصاصه ، وقد شملت العديد من القطاعات كالاقتصاد والإعلام والسياسة الخارجية والصناعة والتموين . . الخ

الرسائل والشكاوى

    فإذا ما انتقلنا إلى مدخل آخر من مداخل اتخاذ القرار اعتمادا على المعلومات من مصادرها الأصلية تبرز أمامنا الأهمية التى كان يوليها عبد الناصر لخطابات المواطنين ليس فقط تلك التى تمتلئ بالإشادة والتمجيد ، وإنما بصفة خاصة تلك التى كانت تحمل شكاوى أو تظلمات أو انتقادات لسياسات الحكم أو حتى أقوال أو تصرفات عبد الناصر أو أى من المسئولين فى الدولة .

    وكما قلت فقد أنشئ مكتب خاص يتلقى هذه الرسائل من كافة أنحاء البلاد ومن الخارج أيضا ـ وقد تم إنشاء هذا المكتب منذ الأيام الأولى للثورة وتطورت واجباته ومهامه على مدى الأيام بعد ذلك سواء من ناحية المكان أو الإمكانات أو الهيكل الإدارى للعاملين فيه والاختصاصات والتبعية الفنية والإدارية على مدى ثمانية عشر عاما كما اتضح فى كروكيات تنظيم الرئاسة ـ وكان هذا المكتب يقوم بترتيب هذه الرسائل وتصنيفها وفقا لما تحتويه من موضوعات ليتم عرضها على الرئيس بشكل دورى منتظم أسبوعيا أو منفردا إذا اقتضى الأمر وكان الموضوع ذو أهمية خاصة ، وكان الرئيس كثيرا ما يطلب الإطلاع على أصول بعض هذه الرسائل من واقع هذا الملخص ، خاصة تلك التى كانت تحتوى على انتقادات أو تظلمات وكشف الفساد أو اقتراحات ودراسات على مستوى المجتمع من أى نوع .

    وكانت شكاوى والتماسات المواطنين تنهمر على هذا المكتب بأعداد تفوق كل قدرة على الإحصاء بصفة خاصة فى المناسبات القومية أو إذا ما وقع حدث سياسى أو وطنى ، هذا علاوة على تلك الشكاوى التى كان يتقدم بها أصحابها مباشرة إلى المكتب فى مقره . وعلى سبيل المثال وكما أذكر ، فقد قمنا بعمل حصر خلال سنوات1963/1965 لعدد الرسائل وبلغت ما يقارب من المليون رسالة وبواقع حوالى الثلث مليون فى السنة ، ما بين شكاوى وتظلمات والتماسات واقتراحات وطلبات لصوره أو توقيعه و انتقادات لسياساته الداخلية أو الخارجية أو محاولات للحث على اتخاذ موقف معين إما بالتشدد أو بالصبر و العلاقات مع الدول العربية سواء الصديقة أو المعادية للسياسة التحررية المستقلة الوحدوية ، بالتأييد أو بالنقد والحث على اتخاذ مواقف متشددة من الصهيونية والأمريكان هذا بخلاف ما كان يتعلق بالمسائل الحياتية اليومية للمواطن العادى من مأكل وملبس ومسكن الخ . وكما كانت الرسائل تصله من المواطن العادى ، كانت أيضا تصلنا رسائل من النخبة من رجال السياسة والاقتصاد والفكر والفن والمثقفين تحمل هموم وأفكار ومشاعر ومحبة تلقائية ، كما كانت بعضها تحمل أيضا السباب والعداوة وهى ما كنا نطلق عليها عبارة " البريد الأسود " ، والنكت . وكانت أغلب الرسائل تعنون باسمه مباشرة مقرونا ببعض الصفات كالأب الحنون والزعيم وأبو خالد والمناضل والبطل وقائد الثورة ومحررنا من الاستعمار والعبودية .

    وكانت رسائل البريد الأسود تحمل طابع السب أو الانتقاد الشديد لسياسات النظام أو لسياسات عبد الناصر الداخلية والخارجية . وبنظرة سريعة على هذه الرسائل تستطيع أن تحكم وتحدد الراسل إما من الحزبيين القدامى كالوفد مثلا أو من ينتمون للفصائل الشيوعية أو لجماعة الإخوان المسلمين أو لعناصر إقطاعية . وكانت هذه الرسائل فى الغالب لا تحمل توقيعات ، وإن حملت توقيع فكان باسم مستعار أو توقيعات غير واضحة . وكان عبد الناصر يهتم بهذه الرسائل ويطلب الإطلاع عليها كما هى دون تلخيص لأنها كانت تحمل الجانب الآخر من الصورة . وكان عبد الناصر يقوم بوضع علامات وخطوط وتعليقات وعلامات تعجب أو استفهام على بعض ما يثار فى هذه الرسائل وقد تعدى الأمر فى كثير من الأحيان التعامل مع هذه الرسائل من حيث الدراسة والمتابعة بل إن بعض هذه الرسائل كان وراء قرارات هامة منها إبعاد بعض الوزراء أو كبار المسئولين الذين يثبت صحة الشكاوى ضدهم . ومن أمثلة نماذج هذا البريد رسائل كانت تتهجم على شخص جمال عبد الناصر وأسرته وعائلات أعضاء مجلس الثورة أو تصرفات للأقارب أو السخرية من شعار تكافوء الفرص أو بالتوعد مثلا بثورة شعبية ستطيح به وسيكون أول من يذبحه الشعب أو نقد السياسات الاقتصادية من أنها ستفقر البلد أو الديكتاتورية وحكم الفرد أو نقد لبعض الأوضاع فى القوات المسلحة .. الخ ـ ويوجد لدى المؤلف نماذج كثيرة من كل هذه الرسائل ـ ، وينطبق نفس الشىء على ما كانت تنشره الصحف من شكاو أو التماسات أو كاريكاتير .

    وفى نفس الوقت كانت النكت والإشاعات تمثل مصدرا هاما من مصادر عبد الناصر لمعرفة نبض الشارع المصرى وردود أفعاله وللمعرفة وليست مجرد سخرية فكان يرى أنها تمثل رأيا يجب الالتفات إليه ولا مانع من الاسترشاد به فهى فى النهاية تمثل فلسفة وطنية لشعب عمره سبعة آلاف سنة قهر الغزاة وكسرهم ثم نكّت عليهم . ومن المعروف أن الشعب المصرى دائما ما يعبر عن موقفه سواء بالرضاء أو بالرفض أو بالذم أو بالنقد عن طريق النكتة التى لا يجاريه شعب آخر فى هذا المجال سواء فى التعبير الصحيح اللاذع أو فى خفة الدم فى الإلقاء والمعروف على مدى الزمن أن هذا الشعب يعبر عن فرحه بنكتة ، وعن حزنه بنكتة وعن رضاه أو غضبه بنكتة . وكانت النكت تجمع من مصادر عدة سواء من الأجهزة أو من مكاتب مصلحة الاستعلامات أو من زوار الرئيس . وفى بعض الأحيان كانت النكت تصل إلى حد لا نستطيع أن ننطق بها فكان هو يبادر بإبلاغنا عنها وهو يعرف أننا نتفادى جرح مشاعره بها مثلا . وكانت أكثر الموضوعات التى تناولتها النكت على سبيل المثال : الديكتاتورية وغياب الديموقراطية ـ تسلط أجهزة الأمن ـ اختفاء المعارضين خلف الشمس ـ التجاوزات عند القبض على قيادات المعارضين السياسيين ـ فساد بعض رموز السلطة ـ فساد جماعة المشير وهزيمة الجيش سنة 1967 ، الأمر الذى دفعه فى أول خطاب له بعد النكسة إلى أن يطلب من الشعب المصرى الكف عن السخرية من الجيش ورجاله حيث كان يرى أنه وراء هذه الحملة المخابرات المركزية الأمريكية بالإضافة إلى صدمة النكسة ـ تجاوزات من يتحدثون عن الاشتراكية وحياتهم الأرستقراطية ـ تفضيل أهل الثقة عن أهل الخبرة ـ الأزمات التموينية والطوابير ـ البيروقراطية ـ .

    ومن واقع هذه الرسائل إلى جانب الجولات الميدانية والاتصال المباشر مع الشعب ومع المسئولين ، كان عبد الناصر يتعرف على رد فعل السياسات والقرارات والنبض الحقيقى للشارع المصرى ، فبعض هذه الرسائل على سبيل المثال كان يطالب الرئيس بمراجعة بعض السياسات ويتناول الفجوة القائمة بين الأقوال والشعارات المعلنة وبين ما يجرى تطبيقه وتنفيذه فعليا وكان بعضها يتناول مثلا نقد للتنظيم السياسى الواحد ويطالب بالتعددية السياسية وبالعكس كان البعض الآخر يؤيد التنظيم الواحد ولكن يضع بعض المقترحات لزيادة فاعلية الحركة السياسية فى الشارع المصرى ، كما كانت رسائل أخرى تتناول إبداء الرأى حول الحكم المحلى أو المواصلات أو الإسكان أو البنية الأساسية كالمجارى والكهرباء والصرف الزراعى والرى بالتنقيط أو الغمر وخلافه الخ ، كما تناولت رسائل أخرى سياسات النظام الخارجية بالنقد مثل مشاركة مصر فى الحرب فى اليمن أو غيرها من القضايا العربية وبعض المواقف من بعض هذه الدول العربية مثلا ، كالسعودية والأردن ، والبعض الآخر من الرسائل كان يطالب بمواقف أكثر تشددا من بعض الأنظمة العربية وحكامها باعتبارهم قوى رجعية تعوق حركة التحرر والإستقلال والخروج من التبعية الأجنبية وهكذا . وهذه الرسائل كلها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى بما فيها تلك التى تشمل تأشيرات بخط يد جمال عبد الناصر ولقد علمت أن بعض الباحثين قد تمكن أخيرا من الإطلاع على بعض هذه الرسائل .

    كان أصحاب الرسائل يخاطبون عبد الناصر بتلقائية واضحة تشعرك بأنهم يخاطبون واحدا منهم أو من أفراد أسرهم ، كما كانت خطابات الطلبة والشباب بصفة عامة تتناول القضايا التى تهمهم بصراحة وتلقائية كأنك وأنت تقرأ تكاد تكون تسمع ما يريد أن يقوله أتراسل سواء شاب أو شابة و ما يريد أن يتحدث به أو يقوله لوالده ، كنا نشعر بحنان ودفء فى الرسائل التى كانت فى الواقع تعبر عن ثقة وحب وتلقائية وفطرة فى استخدام الألفاظ والتعبيرات وما يريدون أن يعبروا عنه سواء بالنقد أو بالتأييد أو باقتراحات من أجل المستقبل وما يخص المسائل الحياتية اليومية وغيرها .

    وكثير من الشكاوى ، بالطبع ، كانت تتحدث عن حالات فردية يشعر أفرادها بالظلم من إجراء معين أو يطلبون من الحكومة العفو عنهم بعد أن يكونوا قد ارتكبوا بعض الأخطاء أو العفو عن رب أسرة يكون قد أرتكب جريمة مثلا أو شىء من هذا القبيل أو الإبلاغ عن حالات فساد أو إهمال من جانب بعض المسئولين أو الموظفين إلى جانب طلبات العلاج فى الخارج أو المسكن أو طلب المساعدات المادية .

    كان عبد الناصر كثيرا ما يستجيب لمن يطلب مقابلته من المواطنين حيث يلتقى بمسئول يستقبله و يستمع له ويبلغ الرئيس بنتيجة المقابلة ثم يبلغ الشاكى بعد ذلك بالقرار الذى أتخذ بالنسبة لقضيته موضوع الشكوى ، كما أنه كان يطلب فى بعض الأحيان استدعاء أحد الأشخاص لتقدمه بشكوى أو طلب أرسل إليه برسالة لبحث موضوع شكواه أو ما يعرضه من معلومات على الطبيعة وفى المواجهة حيث أن الرسائل قد لا تكون معبرة بوضوح عن موضوعها الذى قد يرى أنه من الأهمية لبحثه مع الراسل شخصيا . وفى هذا المجال كانت هناك تعليمات واضحة باستقبال هؤلاء فى جميع أفرع رئاسة الجمهورية المختصة والمعنية .

    كما كان عبد الناصر يوجه بالاستجابة لطلبات المساعدات الاجتماعية وطلبات التأهيل المهنى أو طلبات الرعاية الصحية أو المسكن ، كما كان يوصى مشددا بضرورة التحقيق فى شكاوى الفساد أو التظلم من أوضاع وظيفية معينة لمعرفته التامة بتلك البيروقراطية الضاربة الجذور فى الإدارة المصرية ـ والتى أعتقد ما زلنا نعانى منها حتى اليوم ـ وفى هذا المجال ما زلت أذكر تماما الحديث الذى دار بين الرئيس جمال عبد الناصر والسيد محمد فائق عندما عين الأخير لأول مرة وزيرا للإعلام حيث حذره من الجهاز الإدارى وشدد فى طلب أن يكون أقوى من هذا الجهاز ليضمن نجاحه فى مهمته ، وكان هذا ضمن توصيات أخرى منها استمراره فى تولى مسئوليات الشئون الإفريقية ومسائل أخرى ليس هنا مكانها . وأذكر بهذه المناسبة أن يوسف إدريس كان يزورنى فى أحد الأيام وسمع منى نصيحة عبد الناصر لمحمد فائق ، فكانت قصة " إدارة عموم الزير " التى جسد بها يوسف إدريس رؤية عبد الناصر للجهاز الإدارى فى مصر .

    كان اهتمام عبد الناصر بهذه الشكاوى والرسائل ليس من أجل تلبية احتياجات حالات فردية فقط ، وإنما كان يتخذها وسيلة لتحويلها إلى سياسات عامة لخدمة أوسع قاعدة ممكنة من الجماهير ، وكثيرا ما كان يطرح الموضوعات الواردة فى الشكاوى أو الرسائل المتعلقة بمصالح الجماهير داخل اجتماعات مجلس الوزراء أو فى اللجنة التنفيذية العليا واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى ، وكان يسجل النقاط التى يريد أن يثيرها فى النوتة الخاصة بخط يده ويحتفظ بها ليرجع إليها باستمرار لأغراض المتابعة ، وعلى سبيل المثال كان من بين هذه الموضوعات المشكلات المتعلقة ببداية العام الدراسى مثلا وما يولد من ضغوط على رب الأسرة المصرية كما ذكرت من قبل ، خاصة ما يتعلق بسوء حال الكتب المدرسية أو ارتفاع أسعار المواد والسلع التموينية ومشاكل المواصلات والعلاج وكان يذيل كل موضوع بتأشيرة للوزير أو المسئول المختص لدراسة الشكوى واتخاذ الإجراءات والقرارات المناسبة على مستوى الفئة الجماهيرية أو القطاع الإقتصادى مثل بحث أحوال السكك الحديدية وزراع طرح النهر ( كانت تسمى مجازا طرح البحر ) ، وبحث أحوال العاملين فى البنوك وصرف الأرباح لهم ودراسة أحوال عمال التراحيل ، وكانت هذه القضية شغله الشاغل باستمرار باعتبارها مشكلة واجبة الرعاية والعناية لمنع الاستغلال وبذل الجهود للقضاء على هذه المشكلة ، ولم يكن يكتفى بتلبية طلب صاحب الشكوى فقط .

    ولعله قد يكون من المفيد أن أستعرض بعض النماذج لتأشيرات وملاحظات عبد الناصر على رسائل المواطنين :

    تأشيرة بدراسة أحوال عمال التراحيل وزيادة أجورهم وتطبيق نظام التأمين الاجتماعى والصحى عليهم. وقد تم فعلا تحديد ساعات العمل للعمال الزراعيين وعمال التراحيل بثمان ساعات فقط يوميا ، وحددت أجورهم بثمانية عشر قرشا يوميا للرجال وعشرة قروش للنساء والأطفال ورفعت بعد ذلك إلى خمسة وعشرون قرشا فى اليوم ، كما اعترف بحقهم فى إقامة تنظيماتهم النقابية .

    تأشيرة لوزير التعليم بضرورة الاهتمام بالكتاب المدرسى وتحسين نوعية طباعته .

    تأشيرة لوزير المواصلات لدراسة أحوال خفراء مزلقانات السكك الحديدية .

    تأشيرة لوزير المواصلات حول مستوى الخدمة السيئة لمرفق النقل بمحافظة الشرقية .

    تأشيرة بتعيين غطاسين كعمال تابعين للمحافظات الساحلية وأن يتقاضوا رواتب شهرية .

    تأشيرة بدراسة شكوى العاملين بالبنك المركزى وصرف الأرباح لهم عن الأعوام السابقة أسوة بباقى الشركات .

    تأشيرة لوزير التموين بضرورة الاهتمام برغيف العيش نوعا ووزنا وشكلا .

    مجموعة تـأشيرات بمساعدات بعض المواطنين ماديا من حساب التبرعات .

    تأشيرة بدراسة إمكانية مراعاة أهالى الزراع من الكيلو18 إلى الكيلو 20 طريق مرسى مطروح .

    وأذكر أنه فى نهاية الخمسينات وصلت رسالة من أحد المواطنين يعرض فيها مشكلة شخصية هى مشكلة الإسكان قال فى رسالته ما نصه :

    " يا ريس أنا المواطن (فلان) أنا ساكن فى حى الزيتون ونعانى من مشاكل كثيرة فى المواصلات والإسكان والرعاية الصحية . " .

    ولما عرضت هذه الرسالة على عبد الناصر كانت هناك رسالة أخرى كتبها مواطن آخر من حى المطرية تتحدث أيضا عن مشاكل الإسكان والمواصلات . اهتم عبد الناصر بالرسالتين وطلب فى جلسة مجلس الوزراء توسيع نطاق البحث لهذه المشكلات ، وقد أسفرت الدراسات التى أعدت بواسطة الوزراء المعنيين عن قرار ببناء مجمع إسكانى ضخم صمم فى كل من المطرية والزيتون ثم جرى تعميم هذا النموذج فى كل محافظات الجمهورية بعد ذلك ، وكانت الغرفة تؤجر للمواطن بما لا يزيد عن الستون قرشا فى الشهر وكانت هذه المجمعات السكنية نمطية وعبارة عن غرفتين وصالة وفراندة (بلكونة) ودورة مياه وحمام ومطبخ ، وما زالت هذه المجمعات والوحدات موجودة كأحياء كاملة فى العديد من المحافظات حتى اليوم .

    وانتقلت نفس التجربة إلى دمشق وبنفس السيناريو تقريبا مع الوضع فى الاعتبار احتياجات الأسرة السورية ، حيث تم بناء مجمع سكنى ضخم فى المكان الذى كان يشغله سجن المزة والذى تم هدمه ، وما زال السوريون يتحدثون عن هذا الإنجاز حتى اليوم وأسمعه منهم عندما أزور دمشق فى المناسبات المختلفة ، وكان قد تم تنفيذ هذا المشروع فى دمشق على أثر تسلم عبد الناصر رسالة من مواطن سورى شكى فيها من المعاناة من مشكلة الإسكان .

    كان عبد الناصر يقرأ هذه الرسائل باهتمام ويضع خطوطا حمراء تحت بعض الجمل أو العبارات التى تنتقد سياساته مثل قول أحد المواطنين فى رسالته : " أن حرب اليمن التى دخلتها مصر لا ناقة لها فيها ولا جمل " . أو وصف مواطن آخر الاتحاد الاشتراكى بأنه تنظيم " هزيل " . ومواطن ثالث تحدث عن ما أسماه "بالطبقة الجديدة " وسلوكياتها ، وكان يقصد بها بعض المنتفعين بالثورة والالتفاف حول قوانينها ومبادئها .

    ومن الحالات التى لن أنساها ـ وأود أن أشير إليها بهذه المناسبة وقبل أن أستعرض هذه الحالة أن مكاتب سكرتارية الرئيس للمعلومات ومكتبى فى مقدمتها كان مفتوحا لأى مواطن ، ولم يحدث أن منع أحد من الدخول تحت أى مسمى أمنى أو سياسى ، أما الحالة التى سأتناولها هنا وعرضت تفاصيلها على الرئيس عبد الناصر فكانت حالة طالب يدرس فى كلية الطب ساهم بشكواه فى اتخاذ العديد من القرارات .

    وترجع القصة إلى أننى فى إحدى الليالى كنت أباشر عملى فى مكتبى ، وفى اجتماع مع بعض الوزراء من أعضاء التنظيم الطليعى ، وفجأة سمعت أصواتا عالية فى مكتب سكرتيرى الخاص محمد السعيد ولما استفسرت منه عن الأسباب أخبرنى أنه يوجد فى المكتب طالب فى كلية الطب فى حالة هياج شديد ، ويكاد يكون منهار نفسيا ، وهو يصر على لقاء الرئيس جمال عبد الناصر شخصيا ، وكان من بين ما يردده من عبارات :

    " ليه بترفعوا شعارات ماإنتوش قادرين تطبقوها ؟! " .

    أدخلت الطالب إلى مكتبى وعندما دخل ـ وهو مازال فى حالة ثورة ـ وجد نفسه يجلس وجها لوجه مع من يسمع أسماءهم فى الإذاعة أو التليفزيون أو يقرأ عنهم فى الصحف ـ وكما صرح لى بعد ذلك ـ أنه كان مع من صوروا له بأنهم حكام مصر الذين يستطيعون أن يأتوا من الأفعال ما لا يستطيعه أى إنسان آخر. وعملت على تهدئته وتطييب خاطره ، وطلبت له شاى ومشروب بارد ، ولما هدأ نسبيا بدأ يسرد حكايته تفصيلا حيث قال : أنه يقيم مع أسرته فى أحد المساكن المتواضعة فى حى السيدة زينب ويعمل والده فى جمع الصحف القديمة ويقوم بعمل " قراطيس " ثم يبيع فيها " طورشى بلدى " على ناصية الحارة التى يسكنون فيها، ويتقاضى لقاء ذلك قروش قليلة يوميا ، واليوم الذى ينقطع فيه عن العمل يتوقف رزق الأسرة آلتى كانت تتكون من الأبوين وأربعة من الاخوة والأخوات ، ومع ذلك فقد جد واجتهد رغما عن ظروفهم القاسية ولجوئه فى بعض الأيام للحلول محل أبيه فى مهنته البسيطة هذه وتمكن من استكمال تعليمه حتى حصل على الثانوية العامة بمجموع مرتفع ، ووفقا لمبدأ تكافوء الفرص التحق بكلية الطب التى لم يكن يحلم مثله أن يدخلها فى يوم من الأيام ، إلا أنه فوجئ بمواقف لا يستطيع أن يتحملها كطالب ، فالكتب غالية الثمن ولا يستطيع أن يشتريها ، والأدوات الدراسية تفوق أسعارها ما يمكن أن تتحمل أسرته تكاليفها وعلاوة على ذلك فهو كطالب فى كلية الطب عليه أن يظهر بمظهر يليق بطبيب المستقبل ، إلا أن أحدا لا يرأف بحاله بل كان موضع سخرية الكل بدون استثناء سواء من زملائه أو من أساتذته . فمن قائل له : " عملت لك إيه الاشتراكية ؟! إلى من يقول له : " عمل إيه تكافوء الفرص ؟! " . . " وعملت لك إيه مجانية التعليم ؟! " . . " إنك لن تستطيع أن تكمل تعليمك ودراستك بهذا الوضع لأنك من بيئة عادية ولا يوجد مكان لأبنائها فى كلية الطب ومكانك فى حتة ثانية ياشاطر !! " . . هذا بخلاف أقوال وأعمال أخرى رفض أن يذكرها إنما تعبر عن نية تحطيم معنوياته ودفعه إلى اليأس الكامل وإشعاره بالخطأ لأنه اختار هذا المجال لمستقبله . . وبدا فى الانهيار مرة أخرى .

    وتصادف أثناء سرده لحكايته وحالته أننا كنا كلنا نستمع فقط دون أن نعلق وبدأ صوته يرتفع ناعيا حظه وحظ أمثاله ، وفجأة أنارت اللمبة الحمراء للخط الساخن بينى وبين الرئيس ، وعندما رفعت سماعة التليفون سكت كل من كانوا فى القاعة لأنهم يعرفون أن المتحدث هو الرئيس جمال عبد الناصر فيما عدا الشاب الذى واصل ثورته ، وقد أدرك الرئيس أن فى الأمر شىء غير عادى فقال لى : " إنت عندك مين ؟ وليه فيه هيصة ؟ ومين اللىبيزعق عندك وليه ؟ هو إنت بتتخانق مع حد يا سامى ؟ ! .

    فقلت : " لا يا فندم ". . وحكيت له بسرعة حكاية الشاب .

    قال الرئيس : " طيب عملت له إيه ؟ " .

    فقلت : " أنا لسة بأسمع قصته وسأحاول حل مشكلته بإذن الله " .

    وقلت للرئيس أننى مجتمع مع مجموعة تنظيمية من الوزراء .

    فقال الرئيس : " ما تنساش بعدما تحل مشاكله إنكم تعملوا بحث اجتماعى لأسرته ومساعدتهم بأى شكل حتى لا يؤثر وضعهم على الطالب نفسه فى المستقبل خصوصا وأنه فى كلية صعبة ، ومثل هذا الشاب لازم رعايته رعاية خاصة لأن أمثاله قليلين ويجب أن يكون هذا مثل يحتذى به لباقى الشباب من أمثاله الذين يتحدوا زمنهم وعايزين يقهروا ويكسروا حاجز الفقر بالعلم والارتقاء بمستواهم ، وإلا حا نكون فعلا كما يقول هذا الشاب بأننا نرفع شعارات لا نطبقها " .

    فكر عبد الناصر للحظة ثم قال : " إسمع يا سامى ، فيه فى الجامعة طبعا حالات ثانية مشابهة ويمكن تكون فى حاجة للرعاية بشكل ما . . تبحث الأمر مع الأمين العام للاتحاد الاشتراكى ومنظمة الشباب ووزير الشباب ووزير التعليم العالى . . وعايز دراسة عن الموضوع فى أقرب وقت ممكن " .

    وأنهى المكالمة دون أن يطلب منى ماذا كان يريد عندما طلبنى تليفونيا فلما استفسرت منه عما كان يريده قال لى :" يا سامى . . ريّح الولد وخلّص الموضوع الأول وبعدين ابقى كلمنى " .

    التفت للشاب وقلت له : هل تعرف من الذى كنت أتحدث معه الآن ؟

    فقال : حا أعرف منين ؟! .

    فقلت له أنه كان الرئيس جمال عبد الناصر ، وقد سمعتنى طبعا وأنا أحكى له قصتك بدليل إنك لما سمعت اسمك سكتت وبطلت تزعّق " .

    فوجئ الشاب بهذا الكلام وأصابه ذهول وصمت غريبين ولم ينطق بحرف .

    فقلت له بعد أن هدأ : " شوف بقى ، الكتب حاتكون عندك الصبح وكمان الأدوات الدراسية المطلوبة منك والتى تحتاجها . ثم طلبت السكرتير وقلت له : " يا محمد تاخذ هذا الشاب دلوقت وتشترى له كسوة تليق بطالب فى كلية الطب بما فى ذلك الملابس الداخلية وكل ذلك على نفقة الرئيس الخاصة .

    واتصلت بوزير الشئون الاجتماعية لعمل بحث اجتماعى لأسرة هذا الشاب واتضح بعد البحث صدق كل ما ذكره . كما اتفقت مع محافظ القاهرة لتخصيص شقة من الإسكان الشعبى لهذه الأسرة المكافحة وتابعت التنفيذ حتى تم المطلوب ، وتم انتقال الأسرة إلى المنزل الجديد فى خلال أسبوع .

    كان عبد الناصر وكالمعتاد يتابع التنفيذ معى يوميا .

    وقد ترتب على هذا الموضوع الفردى الآتى :

    تم تشكيل لجنة جامعية برئاسة وزير التعليم العالى وعضوية أمين الاتحاد الاشتراكى فى كل محافظة يوجد بها جامعة مهمتها تيسير الكتب الجامعية لكل الطلبة دون استثناء ولغير القادرين بصفة خاصة بأسعار رمزية أو بالمجان حسب حالة الطالب .

    وتوفير ملابس تليق بطلبة الجامعات فى كل جامعة بأسعار رمزية .

    ثم التوسع فى الإسكان الجامعى والذى بلغ إلى حد تخصيص عمارات بأكملها لإسكان الطلبة الوافدين من المحافظات المختلفة .

    *وثمة حالة أخرى تعبر بوضوح عن مصداقية الشعارات التى رفعها عبد الناصر وإيمانه العميق بكل ما طرحه ونادت به الثورة من أهداف .

    فقد جاء إلىّ أحد عساكر الشرطة من العاملين فى منشية البكرى شاكيا من عدم قبول نجله فى كلية الشرطة بعد أن نجح فى الثانوية العامة بمجموع مناسب للالتحاق بهذه الكلية كما أنه اجتاز كل الاختبارات ولكنه سقط فى كشف الهيئة أو ما يسمى بالاختبار الشخصى . فلما عرضت الموضوع على الرئيس أوصى ببحث الأسباب وإبلاغه بالنتيجة فى نفس اليوم . استفسرت عن حقيقة الموضوع من شعراوى جمعة الذى بعد البحث أبلغنى أن سبب عدم قبول الطالب هو أنه ابن عسكرى وليس هناك من أسباب أخرى . فلما أبلغت الرئيس أمر بتوصيله بشعراوى جمعة وزير الداخلية وناقشه فى أسباب رفض قبول هذا الطالب وقال له "أمّال تكافوء فرص إيه اللى عمالين ننادى به يا شعراوى ؟ وهو أنا دخلت منى الجامعة الأمريكية ليه ؟ ليه ما بنطبقشى ماننادى به ؟ الطالب ده يدخل الكلية " .

    ودخل هذا الطالب الكلية الشرطة ووصل إلى رتبة اللواء .

    ولكم أتمنى أن أعرف ماذا ألم بطالب الطب وأين هو الآن ؟ حيث انقطعت العلاقة به لدخولى السجن سنة1971 وكان لم ينه دراسته بعد .

    قصة أخرى كان بطلها د. خيرى سمرة عندما كان يدرس فى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه وقررت إدارة البعثات إنهاء بعثته قبل مناقشة رسالة الدكتوراه بأيام نظرا لانتهاء المدة التى نص عليها قرار إيفاده للبعثة مما اضطره للحضور إلى القاهرة على نفقته الخاصة لعرض الأمر على عبد الناصر حيث وصل إلى مكتبى طالبا مقابلة الرئيس ولما استفسرت منه عن السبب حكى لى هذه القصة ووسط اندهاشى من قوة هذه البيروقراطية الحكومية ونفاذ أمرها ، كان عبد الناصر على الخط أبلغه بالقضية فما كان منه إلا أن قال لى بلغ وزير التعليم العالى بعودة الرجل لاستكمال بعثته ومناقشة رسالته ، على أن تكون عودته على نفقة الدولة وتتحمل وزارة التعليم العالى نفقات قدومه إلى القاهرة . وعاد خيرى سمرة للولايات المتحدة واستكمل دراسته وناقش رسالته التى اجتازها بدرجة امتياز . كنت قد نسيت هذا الموضوع لكن يشاء القدر أن التقى بخيرى سمرة فى القصر العينى وأنا رهن سجون السادات ، من جديد ليفتح هو معى الموضوع ويذكرنى به من جديد .

    دور مؤسسات التنظيم السياسى فى اتخاذ القرار

    أرجو الرجوع إلى فصل " عبد الناصر والتنظيم السياسى " وكذلك إلى الملحق الوثائقى الذى يشمل عينات من محاضر اجتماعات الرئيس جمال عبد الناصر ومؤسسات التنظيم السياسى مثل اللجنة التحضيرية والمؤتمر القومى العام ـ وجميع جلساته علنية ونشرت فى حينه ـ واللجنة المركزية واللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى ، والتى ألح فى ضرورة قراءتها لأهميتها القصوى فى إلقاء الأضواء على تلك التجربة الإنسانية التى قادها وأدارها الرئيس جمال عبد الناصر .

لجان العمل اليومى فى مراحلها المختلفة

تجدر الإشارة إلى أنه اعتبارا من إعادة تنظيم مؤسسة الرئاسة سنة1958 استجد فى العمل اليومى ما أطلق عليه نظام التلقين اليومى BRIEFING” " وكان الغرض منه هو تقديم موجز للأحداث الداخلية والخارجية فى مختلف المجالات علاوة على أن هذا النظام قصد به أيضا التنسيق ومنع الازدواجية فى تلقى المعلومات بالإضافة إلى إيجاد علاقات إنسانية وإذابة الحساسيات بين الجهات المعنية وحل ما قد ينتج من مشاكل أو سوء فهم كان يحدث فى بعض الأحيان نتيجة ظواهر صحية لتبادل وتوصيل المعلومات للرئاسة 0 كان يتم إعداد هذا التلقين اليومى فى اجتماع يعقد فى العاشرة من صباح كل يوم فى سكرتارية الرئيس للمعلومات بالقصر الجمهورى بالقبة برئاسة على صبرى وزير شئون رئاسة الجمهورية ويحضره رئيس المخابرات العامة أو أحد نوابه ووزير الخارجية أو نائبه ورئيس مصلحة الاستعلامات وسكرتير الرئيس للمعلومات .

وكان الحضور هم أمين هويدى نائب رئيس المخابرات وحسين ذوالفقار صبرى نائب وزير الخارجية ومحمد عبد القادر حاتم وفى فترة محدودة كان يحضر أيضا كمال الدين رفعت بصفته نائبا لوزير رئاسة الجمهورية وسامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات و منير حافظ مساعد سكرتير الرئيس للمعلومات لتسجيل محضر الاجتماع وتجهيز الموجز والملاحق التى تضيفها سكرتارية المعلومات و التى ستعرض على ررئيس الجمهورية .

عقب نكسة 1967 شكلت لجنة تجتمع مرتين يوميا من كل من شعراوى جمعة وأمين هويدى وسامى شرف ولهذه اللجنة أن تلتقى بمن تراه من المسئولين لبحث المسائل المتعلقة بتسيير أمور الدولة وكمصغر لمجلس الوزراء ، وتعرض على الرئيس أهم الموضوعات والتوصيات فى مجال تسهيل عملية اتخاذ القرار . وبعد مؤامرة المشير عبد الحكيم عامر تطورت هذه اللجنة لتضم كلا من محمود رياض والفريق أول محمد فوزى أو الفريق محمد أحمد صادق أيهما يسمح الوقت بمشاركته فى الاجتماع وعبد المحسن أبو النور بالإضافة إلى شعراوى جمعة وأمين هويدى وسامى شرف .

وفى بعض الأحيان كان يصعب إتمام اللقاء فى مسائل عاجلة وحيوية فكان يعقد ما يسمى بالمؤتمر التليفونى عبر شبكة تليفونات ساخنة خاصة كانت تحت سيطرة المخابرات العامة وذلك بفتح خطوط تليفونية يستحيل التدخل عليها لأنها مشوشرة ، بين المؤتمرين الذين يتبادلون بحث الموضوع فى سرية وبسرعة دون اللقاء حول مائدة الاجتماعات .

فى عام 1969 وعلى وجه التحديد اعتبارا من يوم 13سبتمبر1969 وهو اليوم الذى أصيب فيه الرئيس جمال عبد الناصر بالأزمة القلبية الأولى أعيد تشكيل مجموعة التلقين اليومى أطلق عليها اسم " لجنة العمل اليومى " وكان يرأسها  أنور السادات وتضم على صبرى وشعراوى جمعة وأمين هويدى والفريق أول محمد فوزى وسامى شرف كما كان ينضم إليها فى بعض الأحيان محمد حسنين هيكل . وكانت هذه اللجنة تقوم باستدعاء أى من المسئولين أو الوزراء من ذوى العلاقة بالموضوع أو المسائل محل البحث . وكانت هذه اللجنة تجتمع فى مكتبى مرة أو مرتين فى اليوم حسب تطورات الموقف الداخلى والخارجى والعسكرى . . . الخ وفى بعض الأحيان كان يتم الاجتماع فى قصر الأمير عبد المنعم بمنطقة بين وكسى والقبة .

أما بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر يوم 28سبتمبر1970 فكانت هذه اللجنة مشكلة من كل من : عبد المحسن أبو النور الأمين العام للاتحاد الاشتراكى ومحمود رياض وزير الخارجية وشعراوى جمعة وزير الداخلية وأمين حامد هويدى وزير الدولة – حتى تم تعديل وزاري فى 14نوفمبر1970 وترك الوزارة – وسامى شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية ومدير المخابرات العامة ( محمد حافظ إسماعيل ثم أحمد كامل ) ومدير المخابرات الحربية ( اللواء محرز مصطفى عبد الرحمن ) كما كان يحضر اجتماعات هذه اللجنة أيضا محمد فائق وزير الإعلام – وكان مهمة هذه اللجنة استمرار لما كانت تقوم به اللجان المشابهة والمشكلة من سنة 1958 وهى باختصار استعراض المسائل الكبرى ووضع التوصيات اللازمة بشأنها وعرضها على الرئيس لاتخاذ القرار المناسب سواء بالموافقة أو بالرفض أو بالتعديل والتوجيه بمزيد من البحث وتتولى سكرتارية الرئيس للمعلومات إجراءات التنفيذ والمتابعة وكذا متابعة المتابعة .

لقد كان الرئيس جمال عبد الناصر يحرص على الحصول على المعلومات من مصادر عدة ولم يحصر نفسه فى إطار واحد محدد من اجل هذا الغرض وكان يتخذ هذه الصيغة كوسيلة للمحافظة على توازنات معينة – من وجهة نظره – بين المؤسسات والأشخاص ، لكن المهم أن سكرتارية المعلومات كانت تقدم له الإطار التنظيمى أو المؤسسى لدورة المعلومات منه وإليه ، وعلى مدى ثمانية عشر عاما لم تنقطع الصلة مع عبد الناصر المعلم والقائد والرئيس والإنسان ، ساعة واحدة ، وكان يطلب إبلاغه بكل صغيرة وكبيرة ، فكانت سكرتارية المعلومات هى المركز التى يتجمع فيها كل المعلومات دون استثناء .

يضاف إلى ما تقدم من مبادئ العمل وشبكة العلاقات منهج الرئيس عبد الناصر فى تحقيق الشفافية الكاملة فى تداول المعلومات على كل أصحاب الشأن والاختصاص ، وامتلاك القدرة على المواجهة الحاسمة عند وقوع خطأ أو تجاوز ، وفى الشق الأخير فقد كنت أنا فى غالبية الأحوال قناة الرئيس فى توصيل القرار لصاحب الشأن ، أو المكلف بإعداد الدراسة المطلوبة عن الواقعة أو الوقائع التى انتهت بقرار الرئيس باستبعاد أو تنحية شخص أو أكثر أو حتى تفادى موقف ما واحتواء وشايات دست ضد البعض . . كل ذلك جعلت من يجهل هذه الآليات يصف سكرتارية المعلومات بأنها" دولة داخل الدولة " ، رغم أن عملها كان محكوما طول الوقت بتوجيهات الرئيس وسياسات النظام ، ولم يكن لها فى أى وقت من الأوقات جهاز استخبارى خاص بها وهنا أتحدى أى شخص أو جهة تدعى بغير هذه المقولة ، كما لم تكن أيضا تتصرف وفق الهوى ، وكثيرا ما واجه الرئيس عبد الناصر هذه الظنون بنفسه مؤكدا لأى شخص يرددها بأن " سامى شرف لا يتصرف دون علمى أو بمعزل عن أوامرى المكتوبة أو الشفوية " .

ذلك كان هو الإطار العام الذى بنيته وعملت من خلاله منذ توليت هذه المهمة فى سنة1955 وحتى رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ، ولعل فى فصول أخرى فى هذه المذكرات ما يشير إلى أن دورى لم يقتصر على المفهوم الإدارى من وظيفة سكرتارية المعلومات بوصفها قناة ربط بين الرئيس ومختلف مؤسسات وشخصيات الدولة ، وإنما تحول ونما تدريجيا دور المستشار السياسى وكاتم الأسرار والفاعل الرئيسى فى تنفيذ الكثير من المهام بناء على تكليف من الرئيس خاصة فى المجالات الأمنية والسياسية والعمل الشعبى وفى التنظيم الطليعى سواء فى مرحلة التأسيس أو التنظيم والتنفيذ وتحمل المسئوليات على مستوي القيادة والأمانة العامة للتنظيم الطليعى أو فى قيادة منطقة شرق القاهرة وجامعة عين شمس وهى المنطقة التى شهد الجميع والأحداث بقدراتها وقوتها وتنظيمها الذى غطى كل مربع سكنى على مستوى المنطقة مما سيرد تفاصيله فى فصل آخر ، وكان أنور السادات يدرك ذلك جيدا بل وحاول أن يواصل نفس الأسلوب بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ، لكن الرواسب كانت اكبر من القدرة على تجاوزها أو كتمانها ، وإذا كانت العلاقة الشائكة مع المؤسسة العسكرية قد تم تصفيتها بعد يونيو1967 وفى حياة جمال عبد الناصر فإن العلاقات مع نائب الرئيس أنور السادات لم تأخذ فرصتها لهذه التسوية على الإطلاق .

    

    حاشية

    لتطوير المفاهيم فى وزارة الخارجية المصرية بما يتمشى مع أفكار ثورة يوليو والتحول الاشتراكى ولتطعيم هذا الجهاز الرئاسى الخطير بدماء جديدة من عناصر مدربة سياسيا فقد تقرر تعيين سبعة من شباب الخريجين الجامعيين والمدربين سياسيا فى منظمة الشباب وأعضاء فى التنظيم الطليعى فى وزارة الخارجية وكان من المفروض تطبيق هذا القرار بالنسبة لكلية الشرطة والكلية الحربية ولكن رؤى صرف النظر عن تطعيم هاتين المؤسستين فى ذلك الوقت ـ 1966 ـ ، واكتفى بالتطبيق على وزارة الخارجية .

    والذين تم تعيينهم فى 8/12/1966 هم:

  1. مصطفى محمد الفقى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد4/11/1944 .
  2. عبد المنعم عبد العزيز سعودى . خريج كلية التجارة . من مواليد 1/6/1943 .
  3. خالد محمد الكومى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 29/8/1943 .
  4. محمد زين العابدين الغبارى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 11/10/1945
  5. عبد الله محمود عبد الله . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 10/9/1944 .
  6. محسن كامل بهاء الدين . خريج كلية التجارة . من مواليد 24/8/1944 .
  7. مخلص قطب عيسى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 23/4/1943 .

    وكانت نتيجة هذه التجربة الرائدة أن وصلوا جميعا لدرجة السفراء ويعدوا من الدبلوماسيين الناجحين البارزين فى وزارة الخارجية سنة2000

    وكان قد سبقهم للانضمام لوزارة الخارجية كعناصر دبلوماسية واعدة بعض ضباط الشرطة ممن أجادوا التعامل مع الإدارات القنصلية وشئون الأفراد ، وكذلك بعض ممن عملوا فى مؤسسة الرئاسة فى سكرتارية الرئيس للمعلومات والمكاتب السياسية والاقتصادية المتخصصة ويحضرنى من أسماء هؤلاء ـ والذين أصبحوا سفراء ـ عبد المنعم عتيق ومحى الدين خفاجى وضياء الدين السوسى ومختار الحمزاوى و مختار الجمال ومحمود شريف وآخرين .

-


Graphic by Martin

Back to Index & proceed
الــــرجوع الى الفهـــرس للمتابعة والمواصلة


You are my today's

Web guest

Thank you for your visit






© 2007 Yahia Al Shaer. All rights reserved.
This web site is maintained by
ICCT, International Computer Consulting & Training, Germany, US